الدلّال.. حين كان الصوتُ تجارةً والثقةُ رأسَ المال

مقالات الإعلامي حامد الطلحي الهذلي
صحيفة بصمة اون لاين
في الزمن الذي كانت فيه الأسواق تُبنى على الكلمة، وتُدار بالأمانة، ويُعرف الرجال فيه من صدقهم قبل أسمائهم… كان «الدلّال» أحد أهم أعمدة الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع العربي.
لم يكن الدلال مجرد رجل يقف في الحراج رافعًا صوته بين الناس، بل كان ذاكرةً للسوق، ووسيطًا للثقة، وخبيرًا يعرف طبائع البشر وأسعار السلع ومسالك التجارة.
كان إذا دخل السوق التفَّت حوله الأنظار، لأن صوته لم يكن مجرد نداء… بل إعلانًا ببدء الحراك الاقتصادي والاجتماعي.
ومن هنا جاءت مكانة الدلالة بوصفها مهنة عريقة متوارثة، انتقلت من الآباء إلى الأبناء في أسواق: الإبل،
والعقار،
والحبوب،
والتحف،
والمنتجات الشعبية والتراثية.
وكان الناس يقولون قديمًا:
“فلان يعرف السوق كما يعرف راحة يده.”
لأن الدلال الحقيقي لا يبيع السلعة فحسب، بل يقرأ النفوس، ويفهم رغبات المشترين، ويصنع التوازن بين البائع والطامع والمتردد.
ولهذا لم تكن الدلالة صياحًا كما يظن البعض…
بل علمًا اجتماعيًا وتجاريًا قائمًا على: الذكاء،
وسرعة البديهة،
وقوة الحضور،
والأمانة،
وفن الإقناع.
وقد أدرك العرب والمسلمون منذ القدم أن التجارة لا تستقيم إلا بالأخلاق، فجاء الإسلام ليعظم شأن الصدق في البيع والشراء، فقال محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم:
«التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء».
وهذا الحديث لم يكن مجرد توجيه ديني، بل تأسيس حضاري لمفهوم الاقتصاد الأخلاقي، الذي يجعل الثقة أعظم من المال، والسمعة أغلى من الأرباح المؤقتة.
ولهذا كان الدلال الأمين يحظى بمكانة اجتماعية كبيرة، فتُقبل شهادته، ويُرجع إليه في تقدير الأسعار، ويُعرف بين الناس بسمعته قبل صوته.
أما الدلال الكاذب…
فمهما ارتفع صوته، يسقط سريعًا من أعين الناس.
وقد عبّر الشعر العربي عن قيمة الكلمة والتأثير والحضور، فقال الشاعر:
لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُهُ
فلم يبقَ إلا صورةُ اللحمِ والدَّمِ.
وفي وصف الأسواق وهيبتها قال أحد الشعراء الشعبيين:
سوقٍ تعلّى به أصوات دلالين
وتُعرف الرجال بعلومها ومواقفها.
بل إن بعض الدلالين كانوا يتحولون إلى رموز شعبية معروفة، يُعرف السوق بأصواتهم، وتُستحضر هيبتهم في المجالس والحوارات
وفي الحجاز ونجد والخليج عمومًا، ظلّت الدلالة إرثًا اقتصاديًا واجتماعيًا متجذرًا، لأنها ليست وظيفة عابرة، بل ثقافة سوق كاملة.
واليوم، ورغم تغير الزمن، ما زالت روح الدلال حاضرة، لكنها انتقلت من الأسواق التراثية إلى المزادات الإلكترونية، ومن الحراج الشعبي… إلى البثوث المباشرة والمنصات الرقمية.
فأصبح هناك: دلال عقار،
ودلال سيارات،
ومسوّق رقمي،
ومؤثر يمارس الدلالة الحديثة بثوب إلكتروني جديد.
لكن الحقيقة التي لم تتغير أبدًا هي أن:
الناس ما زالوا يشترون الثقة قبل السلعة.
ولهذا بقيت الدلالة مهنة لا ينجح فيها إلا من جمع بين: الأمانة… والحضور… وفهم الناس… وحسن الكلمة.
فالأسواق قد تُبنى بالأموال…
لكنها لا تستمر إلا بالأخلاق.
مقالات الإعلامي حامد الطلحي الهذلي



