آدابمقالات

الكلمة أمانة

د. مصلح البركات –
صحيفة بصمة أون لاين

في زمن تتسارع فيه الأخبار، وتنتشر فيه الكلمات في ثوانٍ عبر منصات التواصل، أصبح الافتراء على الناس واحدًا من أخطر السلوكيات التي تهدد أمن المجتمع واستقراره. فالافتراء ليس مجرد حديث عابر أو اتهام مؤقت، بل جريمة أخلاقية وإنسانية تهدم الثقة بين الناس، وتزرع الشك، وتؤذي الأبرياء في سمعتهم وكرامتهم وحقوقهم.

الافتراء هو أن يُنسب إلى الإنسان ما ليس فيه، أو تُختلق حوله الأكاذيب بقصد الإساءة أو التشهير أو الانتقام. وقد يكون بدافع الحسد، أو المنافسة، أو تصفية الحسابات، أو حتى بدافع التسلية غير المسؤولة. إلا أن نتائجه في الغالب تكون مؤلمة، إذ قد يخسر الإنسان عمله، أو تتصدع أسرته، أو تتأثر علاقاته الاجتماعية بسبب إشاعة كاذبة أو اتهام باطل.

وتاريخ المجتمعات يؤكد أن الكلمة الجائرة قد تترك أثرًا أشد من أثر السلاح، لأن الجراح المعنوية تبقى طويلًا، وقد لا تندمل بسهولة. فكم من شخص أُسيء إليه ظلمًا، ثم ظهرت الحقيقة بعد فوات الأوان، وكم من أسرة تضررت بسبب نقل الكلام دون تثبت أو وعي.

وتزداد خطورة الافتراء حين يتحول إلى مادة للتداول الرقمي، حيث تُنشر الاتهامات دون تحقق، وتُعاد مشاركتها آلاف المرات، فيتسع الضرر ويصعب إصلاحه. لذلك أصبحت المسؤولية اليوم مضاعفة على كل مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي، فليس كل ما يُقرأ صحيحًا، وليس كل ما يُرسل يستحق النشر.

المجتمعات الواعية تُبنى على احترام الآخر، وصون سمعته، والعدل في الحكم عليه، والتثبت قبل تداول أي خبر يتعلق به. كما أن الأنظمة الحديثة شددت العقوبات على التشهير ونشر المعلومات الكاذبة، لما يترتب عليها من أضرار نفسية واجتماعية وقانونية جسيمة.

إن محاربة الافتراء تبدأ من تربية الضمير، وتعزيز القيم، ونشر ثقافة التحقق والمسؤولية. فالكلمة أمانة، واللسان قد يبني جسورًا من المحبة أو يهدم بيوتًا من الاستقرار. ومن أراد مجتمعًا نقيًا متماسكًا، فعليه أن يجعل الصدق منهجًا، والعدل سلوكًا، واحترام الناس قيمة لا تُمس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى