
كتبه لصحيفة بصمة اون لاين
أ – محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي
منذ أن بدأ الإنسان يرفع رأسه نحو السماء وهو يسأل.
لم تكن الحضارات تُبنى بالحجارة وحدها، بل بالأسئلة أيضًا. فكل اختراع بدأ بسؤال، وكل اكتشاف انطلق من حيرة، وكل معرفة وُلدت من رغبة الإنسان القديمة في أن يفهم ما حوله وما وراءه.
ولذلك لم تكن المشكلة يومًا في السؤال نفسه بل لعل السؤال هو أعظم أدوات العقل البشري وأشرفها.
غير أن السؤال، ككل أداة، يفقد وظيفته حين يتجاوز غايته.
فالسفينة خُلقت لتعبر البحر، لا لتظل تدور حول نفسها إلى الأبد.
والسؤال خُلق ليقود إلى المعرفة، لا ليصبح غاية مستقلة عن المعرفة.
ومن هنا تبدأ القصة.
لقد شهدت العقود الأخيرة ظهور أعمال أدبية وسينمائية استطاعت أن تفتن الملايين لأنها لم تكتفِ بسرد الحكايات، بل طرحت أسئلة تمس جوهر الوجود الإنساني نفسه. وكان فيلم «الماتركس» من أبرز هذه الأعمال.
بدأ الفيلم بسؤال بسيط في صياغته، عظيم في أثره:
هل الواقع الذي نعيشه هو الواقع الحقيقي فعلًا؟
كان السؤال كافيًا لزعزعة كثير من المسلمات الذهنية، فالإنسان الذي كان يظن أنه يقف على أرض يقينية وجد نفسه فجأة أمام احتمال أن تكون حياته كلها بناءً وهميًا متقنًا.
وكانت عبقرية الفيلم في بدايته أنه لم يقدم إجابة جاهزة، بل فتح باب الشك.
لكن العمل، مع تقدمه، لم يتوقف عند السؤال الأول.
فبعد أن كشف طبقة من الوهم كشف أخرى، ثم ثالثة، ثم رابعة. وكلما ظن المشاهد أنه وصل إلى الحقيقة، اكتشف أن الحقيقة نفسها ليست سوى طبقة جديدة من البناء.
ثم جاءت الفكرة الأكثر إرباكًا في الفيلم: الثورة نفسها جزء من النظام، والمختار ليس استثناءً فريدًا، بل عنصر متكرر في دورة لا تنتهي.
وهنا تغيرت طبيعة السؤال.
لم يعد السؤال: ما الحقيقة؟
بل أصبح: ما الذي وراء الحقيقة؟
ثم: ما الذي وراء ما وراء الحقيقة؟
ثم: هل توجد حقيقة نهائية أصلًا؟
وعند هذه النقطة يبدأ العقل بالدخول إلى منطقة مختلفة تمامًا؛ منطقة لا تنقصها الأسئلة بقدر ما تنقصها الحدود.
لقد انتهت قصة «الماتركس»، لكن الأسئلة التي فتحها لم تنتهِ. ولهذا خرج كثير من المشاهدين بشعور غريب: القصة انتهت، لكن المتاهة بقيت مفتوحة.
والأمر ذاته يمكن أن يُرى في أعمال أخرى مثل «لوست»، وبعض الروايات التي تتسع فيها دائرة الغموض حتى تصبح أكبر من قدرة العمل على احتوائها.
فصناعة اللغز ليست المهمة الأصعب.
أما صناعة الحل فهي الامتحان الحقيقي للمؤلف.
ولهذا بقيت روايات أجاثا كريستي مثالًا على الحبكة المحكمة. لم تكن الكاتبة تكتب لتكتشف القاتل في النهاية، بل كانت تعرفه منذ البداية. كانت تعرف الجواب أولًا، ثم تبني الأسئلة حوله. ولهذا يشعر القارئ عند الصفحة الأخيرة أن كل قطعة وُضعت في مكانها الصحيح.
أما حين تبدأ الرحلة بالأسئلة دون معرفة الوجهة النهائية، فإن الغموض يتحول تدريجيًا من وسيلة إلى غاية، ومن أداة إلى بديل عن المعنى.
ومن هنا يظهر الفرق بين الفكر الناضج والفكر المتاهِي.
الفكر الناضج لا يخاف السؤال، لكنه يعرف حدوده.
أما الفكر المتاهِي فيظن أن كل يقين يجب أن يُهدم، وأن كل جواب ينبغي أن يتحول إلى سؤال جديد، وأن كل نهاية ليست إلا بداية لمتاهة أخرى.
لكن العقل إذا أُطلق في هذا الطريق فلن يصل إلى نهاية أبدًا.
سيظل يسأل: ومن وراء ذلك؟
ثم من وراء الذي وراءه؟
ثم من وراء الذي وراء الذي وراءه؟
حتى يتحول السؤال نفسه إلى دائرة مغلقة لا تنتج معرفة جديدة، بل تعيد إنتاج الحيرة بصور مختلفة.
وقد نبّه النبي ﷺ إلى هذه الحقيقة العميقة في حديثه المشهور حين أخبر «أن الشيطان يأتي الإنسان فيقول: من خلق السماوات؟ فيقول: الله. ثم يقول: من خلق الأرض؟ فيقول: الله. حتى يقول: من خلق الله؟»
ولم يكن المقصود من الحديث إغلاق باب التفكير، فالإسلام من أكثر الحضارات احتفاءً بالعقل والنظر والتأمل. وإنما كان المقصود إغلاق باب التسلسل اللانهائي الذي لا يقود إلى معرفة.
فالمشكلة ليست في السؤال الأول.
ولا في السؤال الثاني.
بل في تحويل السؤال إلى سلسلة لا نهاية لها.
وهنا تظهر إحدى الحقائق الكبرى في تاريخ المعرفة الإنسانية: أن كل منظومة معرفية عظيمة تمتلك نقطة ارتكاز تقف عندها.
ولعل تاريخ الفلسفة نفسه يكشف هذه الحقيقة. فقد تنقلت الفلسفة عبر العصور بين أسئلة الوجود والكون، ثم أسئلة الإله والعلل الأولى، ثم أسئلة المعرفة والإدراك، حتى انتهى بها المطاف في كثير من تياراتها الحديثة إلى مساءلة السؤال نفسه، وتحليل اللغة التي يُصاغ بها، والتشكيك في أدوات المعرفة ذاتها. وكأن رحلة السؤال الطويلة انتهت إلى سؤالٍ عن السؤال، لا عن الجواب. وهنا تظهر الحاجة إلى الحد الذي يتوقف عنده العقل عن تفكيك أدواته، ويعود إلى البحث عن الحقيقة بدل البحث في إمكان البحث عنها.
فالرياضيات تقف عند مسلماتها الأولى.
والعلوم التجريبية تقف عند حدود المشاهدة والتجربة.
والمنطق يقف عند مبادئه الأساسية.
وكذلك الرؤى الدينية الكبرى تقف عند الوحي بوصفه المصدر الذي تنتهي عنده الأسئلة التي يعجز العقل عن حسمها بنفسه.
فالعقل يحتاج إلى أفقٍ يطير فيه، لكنه يحتاج أيضًا إلى أرضٍ يحطّ عليها، فمن دون الأرض يتحول الطيران إلى تيه.
ولهذا فإن أعظم الأعمال الفكرية ليست تلك التي تفتح أكبر عدد من الأبواب، بل تلك التي تعرف أي الأبواب يجب أن تبقى مفتوحة، وأيها ينبغي أن تُغلق.
فليست العبقرية في أن تطرح ألف سؤال.
العبقرية الحقيقية أن تعرف أي الأسئلة تقود إلى الحقيقة، وأيها يقود إلى المتاهة.
ففي اللحظة التي يعرف فيها الإنسان أين ينبغي أن يقف…
لا تنتهي الحكمة.
بل تبدأ.
- هيئة الأدب والنشر والترجمة تختتم مشاركة المملكة ضيفَ شرفِ معرض كوالالمبور الدولي للكتاب 2026
- نجوم السياحة بمكة تجسد قيم العطاء بزيارة المرضى بمدينة الملك عبدالله الطبية
- جمعية التوعية بأضرار المخدرات تختتم معرض مكافحة التبغ بجازان
- جمعية الثقافة والفنون تدشّن جائزة ضياء عزيز للبورتريه.
- «فوق السحاب».. سيرة ستة عقود من الحكمة والتجربة



