آدابمقالات

حين يصنع الناس لك حياةً لم تعشها

كتبه لصحيفة بصمة اون لاين
أ – محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

ثمة ظاهرة بشرية قديمة لا تكاد تخلو منها أمة، ولا ينجو منها مجتمع، وهي أن الناس كثيرًا ما يصنعون للإنسان حياةً أخرى غير تلك التي يعيشها فعلًا. حياة تتشكل في المجالس، وتكتمل في الحكايات، وتتضخم في الظنون، ثم تُتداول بثقة عجيبة حتى تبدو وكأنها حقيقة مستقرة لا تحتاج إلى برهان.

ويخطئ بعض الناس حين يظنون أن هذه السمة حكر على بيئة معينة أو مجتمع بعينه؛ فهي في حقيقتها جزء من الطبيعة البشرية نفسها. فالإنسان لا يكتفي بمعرفة الآخرين، بل يميل – بوعي أو بغير وعي – إلى إعادة تشكيلهم في الحكايات. وربما عاش المرء حياة واحدة في الواقع، لكنه يعيش في أذهان الناس حيوات متعددة لا يعلم عنها شيئًا.

والمفارقة أن كثيرًا من هذه الصور لا تبدأ من كذب متعمد، بل من استنتاجات صغيرة تتضخم مع التكرار. قد يرى الناس شخصًا متزنًا، قليل الشكوى، محافظًا على كرامته وهدوئه، فيتحول هذا الاتزان في أذهان البعض إلى دليل على الثراء، أو النفوذ، أو الحياة المرفهة. ثم تنتقل الفكرة من مجرد احتمال إلى خبر، ومن خبر إلى يقين اجتماعي يتداوله الناس بثقة كاملة.

فالناس لا يتعاملون دائمًا مع الحقيقة كما هي، بل مع الصورة التي تتكون لديهم عنها. وحين تغيب التفاصيل، أو يختار الإنسان أن يحتفظ بخصوصيته بعيدًا عن الشرح المستمر والتبرير الدائم، تبدأ المخيلة الاجتماعية في ملء الفراغات من عندها. وهكذا قد يُنسب إلى الإنسان مال ليس عنده، أو نجاح لم يحققه، أو نفوذ لا يملكه، ثم يجد نفسه محاطًا بصورة لا تشبه واقعه إلا قليلًا.

والمشكلة هنا لا تقف عند حدود الخطأ في التقدير، بل تتجاوز ذلك إلى آثار اجتماعية ونفسية أوسع. فالإنسان قد يُحسد أحيانًا على أمور لا يملكها أصلًا، وإنما على قصة صاغها الناس عنه ثم صدقوها. وبعض صور الحسد لا تُبنى على الحقيقة، بل على الوهم المتداول، وعلى المقارنات التي تنشأ داخل النفوس حين تتحول حياة الآخرين إلى مادة دائمة للرصد والتأويل.

ولهذا لم يكن خطر الكلام في الناس مقتصرًا على الإساءة المباشرة وحدها، بل يشمل كذلك الاعتياد على تتبع أحوالهم، وتحليل تفاصيل حياتهم، وبناء التصورات عنهم دون علم كافٍ. فالمجتمعات التي يكثر فيها تداول أخبار الأفراد تصبح أكثر عرضة لسوء الظن، والتوتر الاجتماعي، وتضخم الإشاعات، حتى يغدو الإنسان أحيانًا غريبًا عن الصورة التي يعيش بها في أذهان الآخرين.

أما حين يتجاوز الأمر دائرة المبالغات الاجتماعية العادية إلى الاتهام في الدين أو الأخلاق أو الأعراض، فإن المسألة تنتقل من مجرد خطأ اجتماعي إلى ظلم أخلاقي خطير. فهنا لا يعود الأمر مجرد حكاية متداولة، بل يصبح بهتانًا قد يهدم سمعة إنسان، أو يجرح أسرته، أو يترك أثرًا طويلًا لا تمحوه الأيام بسهولة. والمشكلة أن كثيرًا من هذه الأحكام تُبنى على مواقف ناقصة، أو ظنون متعجلة، أو روايات منقوصة، ثم تُطلق بثقة لا تستند إلى تثبت ولا إلى ورع.

ولهذا جاء التوجيه النبوي بالغ العمق حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» رواه مسلم. فهذا الحديث لا يحذر فقط من اختلاق الكذب، بل من المشاركة في دورانه وانتشاره. لأن أكثر الشائعات لا تبدأ من كاذب محترف، بل من ناقل غير متثبت، أو من إنسان استسهل تداول الأخبار دون أن يدرك ما قد تتركه من آثار في النفوس والعلاقات والمجتمعات.

والحقيقة أن الطمأنينة الاجتماعية لا تقوم على كثرة معرفة الناس ببعضهم، بل على احترام حدودهم. فكلما اتسعت مساحة الستر، وقلّ الانشغال بأخبار الآخرين، وحضر حسن الظن، أصبح المجتمع أكثر هدوءًا وإنصافًا. أما حين تتحول حياة الناس إلى مادة يومية للتداول، فإن الشائعات تبدأ بصنع واقع موازٍ للحقيقة، واقع لا يعيش فيه الناس كما هم، بل كما تتخيلهم المجالس وتعيد تشكيلهم الأحاديث.

ولعل من أنبل ما يتعلمه الإنسان مع الزمن أن ليس كل ما يُعرف يُقال، ولا كل ما يُسمع يُنقل، وأن ترك الناس لشؤونهم ليس مجرد أدب اجتماعي، بل خلق يحفظ للمجتمعات توازنها، ويحفظ للإنسان حقه الطبيعي في أن يعيش حياته كما هي، لا كما تُراد له على ألسنة الناس.

بصمة اون لاين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى