دين ودنيا

قيمة “الآن” قبل “بعدين”

بعض “بعدين”… لا تملك فرصة ثانية

بقلم: سعد الرويان
صحيفة بصمة اون لاين

وجد اتصال من أمه… ابتسم.
وقال: “برد عليها بعدين”.

ربما اتصل بعد ساعتين ، فلم يُجب أحد.فقد يظل رقمها محفوظًا في هاتفه… لكن لم يعد هناك من يرد عليه.

هذه الكلمات القاسية والحقيقية تختصر قصصًا كثيرة تتكرر في حياتنا دون أن نشعر، ففي زحام الأعمال، وضغط المواعيد، وانشغالنا الدائم بالتقنية ومطالب الحياة، نؤجل أثمن ما نملك تحت مقصلة كلمة واحدة: “بعدين“.

نعتقد أن الأمهات والآباء سيبقون دائمًا في أماكنهم المعتادة، ينتظروننا حتى ننتهي من الركض خلف مشاغلنا، لكننا نغفل حقيقة أن قطار العمر لا ينتظر أحدًا، وأن لحظة الوداع قد تأتي فجأة ودون إنذار.

فخ “الضمان” والركض خلف السراب

المشكلة في كثير من الأحيان ليست غياب الحب، بل الوقوع في فخ “الضمان”. نضمن وجود الأم، ونطمئن إلى أن قلبها سيغفر قبل أن نعتذر، وأنها ستنتظرنا مهما تأخرنا.

ولهذا تصبح الأولويات مقلوبة:

  • نرد على المدير فورًا.
  • نتابع إشعارات الهاتف بشغف.
  • ونؤجل مكالمة الأم إلى وقت لاحق.

لكن الواقع يخبرنا أن كلمة “بعدين” في ميزان البر قد تكون أكثر كلمة يندم عليها الإنسان طوال حياته.

فالبر ليس شعارات تُقال أو منشورات تُكتب في المناسبات، بل هو فعل يومي يبدأ بـ”الآن”. أن تمنح الأولوية لمن جعلتك أولويته منذ اللحظة الأولى في حياتك.

تكنولوجيا باردة… ومشاعر مؤجلة

في عصر التقنية، أصبحت المشاعر تُختصر أحيانًا في رسالة سريعة أو رمز تعبيري، ونظن أننا بذلك أدينا ما علينا.

لكن قبل ساعة الندم:

  • هل تعوض الرسائل نبرة الصوت؟
  • وهل يغني رمز تعبيري عن جلسة صادقة أو كلمة حانية؟
  • وهل تستبدل الشاشة دفء الحضور الحقيقي؟

إن البر الحقيقي هو أن ننتزع أنفسنا من ضجيج العالم الرقمي لنمنح أمهاتنا وآباءنا وقتًا صادقًا وحضورًا حقيقيًا.

فقد تكون الدقائق القليلة التي نستثقل منحها لهم هي كل عالمهم، ومصدر فرحتهم وأمانهم.

قبل فوات الأوان… افعلها الآن

العبرة من قصة “الرقم المحفوظ الذي لم يعد يرد” ليست الحزن، بل الاستيقاظ قبل أن يفوت الوقت.

الأيام تمضي سريعًا، والتجاعيد التي ترتسم على الوجوه، والوهن الذي يتسلل إلى الخطوات، كلها رسائل صامتة تقول:

“اضبطوا ساعاتكم على توقيتنا… فنحن لن نبقى إلى الأبد.”

لذلك، إذا كنت تقرأ هذه الكلمات الآن:

  • اتصل بوالدتك.
  • اسأل عن والدك.
  • قم بزيارة من تحب.
  • لا تؤجل كلمة طيبة أو سؤالًا صادقًا.

لا تسمح لـ”بعدين” أن تسرق منك فرصة قد لا تتكرر، واجعل البر سلوكًا يوميًا يُعاش، لا ذكرى تؤلمك حين تتأخر.

نصيحة من قلب التجربة

يشارك الكاتب تجربة شخصية مؤثرة يملؤها الحمد والامتنان، إذ وفقه الله أن يكون آخر المتصلين بوالدته قبل رحيلها، بفضل ميزة تقنية يجهلها كثير من مستخدمي الهواتف الذكية.

يمكن تفعيل خاصية “تجاوز وضع عدم الإزعاج” أو “السماح بالمكالمات الطارئة من جهات اتصال محددة”، وذلك بإضافة أرقام الوالدين ضمن قائمة الاستثناءات، بحيث يرن الهاتف عند اتصالهم حتى في وضع الصامت أو عدم الإزعاج.

قد تبدو ميزة بسيطة، لكنها في لحظة ما قد تكون سببًا في سماع صوت عزيز للمرة الأخيرة.

فبادر بتفعيلها اليوم، ولا تجعل التكنولوجيا سببًا في انقطاعك عمن هم أقرب الناس إلى قلبك.

وفي الختام

اللهم تقبل هذا العمل صدقة جارية وعملًا صالحًا لوالدتي بعد رحيلها.

اللهم إنا نستغفرك من كل قول يعقبه الندم، ومن كل فعل تزل به القدم، فأنت الثقة لمن توكل عليك، والعصمة لمن فوض أمره إليك.

اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وأزل همومنا، وارحم والدينا وأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى