آدابمقالات

كيف تهزم المنظمات نفسها من الداخل؟

د. مصلح البركات
صحيفة بصمة اون لاين

في كثير من المنظمات لا تأتي الهزيمة من المنافسين، ولا من نقص الموارد، ولا من تقلّبات السوق، بل تأتي من الداخل حين تُقصى الكفاءات، ويُفتح الباب لغير المؤهلين، ويُقدَّم أصحاب الولاء الشخصي على أصحاب الجدارة المهنية. إنها لحظة خطرة تتحول فيها المؤسسة من كيان يسعى للنجاح إلى دائرة مغلقة تُدار بالمجاملة، ويصبح القرار فيها رهينًا لمساعدين لا همَّ لهم إلا توسيع نفوذهم، وتقريب من يضمن استمرارهم، ولو كان ذلك على حساب المصلحة العامة.

المشكلة تبدأ حين يمنح بعض المديرين صلاحيات واسعة لمساعدين يستثمرون قربهم من القمة، فيمارسون الإقصاء الناعم ضد الكفاءات؛ تهميشًا مرة، وتشويهًا مرة، وإبعادًا عن مراكز التأثير مرة أخرى. ثم يُقدَّم أشخاص محدودو الخبرة، ضعاف التأهيل، لكنهم يجيدون فن الطاعة العمياء، وهزّ الرؤوس، وترديد العبارات التي ترضي المسؤول. وهنا تصبح المنظمة كمن يبني جدارًا من الرمل، يراه صلبًا من الخارج، لكنه ينهار عند أول اختبار.

الأخطر من ذلك أن المدير قد يدرك ما يحدث، لكنه يلوذ بالصمت. يعلم أن هناك ظلمًا إداريًا، وتجاوزًا للكفاءات، وتلاعبًا في الترشيحات، لكنه يخشى المواجهة؛ لأن بعض المساعدين يملكون أدوات التأثير، أو يعرفون أسرار العمل، أو يستطيعون نقل صورة سلبية عنه لصانع القرار. فيختار السلامة المؤقتة على حساب العدالة الدائمة، ويؤجل العلاج حتى يستفحل المرض.

وهذا النوع من الصمت ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في الفساد الإداري؛ لأن السكوت عن الظلم إعانة للظالم. وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾. وفي الحديث الشريف: “انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا”، قيل: ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: “تمنعه من الظلم”. فالإدارة العادلة لا تكتفي بمنع الضرر عن المظلوم، بل توقف الظالم عند حدّه.

أما نتائج هذا الإقصاء فهي كارثية: تتراجع المؤشرات، وتضعف المبادرات، ويهاجر المبدعون بصمت، وتبقى الوجوه نفسها تكرر الأخطاء ذاتها. تتحول الاجتماعات إلى تصفيق، والتقارير إلى تجميل، والمشكلات إلى أسرار مؤجلة. وعندما يسأل صانع القرار: لماذا تراجعت المنظمة؟ يكون الجواب الحقيقي قد غادر منذ زمن مع أول كفاءة تم تهميشها.

والحل يبدأ بالشجاعة الإدارية. على مدير المنظمة أن يدرك أن بقاءه الحقيقي ليس في حماية المفسدين، بل في بناء مؤسسة قوية عادلة. عليه أن يفتح ملفات الترشيح والتكليف والتقييم بشفافية، وأن يجعل الكفاءة معيارًا لا القرابة، والإنجاز ميزانًا لا الولاء الشخصي. كما يجب تدوير المواقع القيادية، ومنع احتكار النفوذ، وإنشاء قنوات آمنة تُمكّن الموظفين من الإبلاغ عن التجاوزات دون خوف.

ومن المهم كذلك أن يكون لصانع القرار أدوات مستقلة لقياس الأداء، لا تعتمد فقط على تقارير المساعدين، لأن بعض التقارير تُصاغ لتجميل الواقع لا لشرحه. فالرقابة الميدانية، وقياس رضا المستفيدين، والاستماع للكوادر الصامتة، كلها وسائل تكشف الحقيقة قبل فوات الأوان.

إن المنظمة التي تُقصي أصحاب العقول وتُقرّب أصحاب الطبول، إنما تسير نحو ضعفها بقدميها. والكفاءة قد تصبر، لكنها لا تبقى إلى الأبد.

وحين ترحل الكفاءات، لا ينفع الندم، ولا تُصلح الألقاب ما أفسدته المجاملات. فالعدل الإداري ليس ترفًا، بل شرط بقاء، ومن لا ينصف المخلصين اليوم، سيبحث عنهم غدًا فلا يجدهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى