دين ودنيا

السير الحثيث.. لمرضاة المجيب المغيث (الحلقة الأولى)

إعداد الدكتور: علي بن يحيى جابر الفيفي


السير الحثيث.. لمرضاة المجيب المغيث (الحلقة الأولى)

مقدمة:

     الحمد لله الخالق المعبود ، الرازق المحمود ، الذي جعل عبادته حياة لعباده ، وطاعته بركة في عطائه ، خلق الخلق لحكم جليلة ، أجلها وأسماها : عبادتهم له ، وتعلق قلوبهم به ، فمن حقق الحكمة التي خلقه الله لها ، حقق الله له السعادة التامة ، فعاش سعيداً مرتاح البال ، مطمئن النفس ، قانعاً بالعطاء ، مؤمناً بالقضاء.. لا يرى الدنيا سوى مرحلة يقطعها في سيره الحثيث إلى لقاء ربه المولى المغيث ، المحيي المميت.. وصلى الله وسلم على أصدق الناس تعبداً لله! ، وتعظيماً له ، وخشية منه ، وسيراً حثيثاً إليه! ، وحباً للقائه ، محمد وعلى آله الأبرار ، وصحبه الأخيار ، أما بعد:

 فإن الله ﷻ خلق الموت والحياة لِيَبْلُوَ الثقلين أيهم أحسن عملاً ، وأصدق تعبداً ، وأقوى إيماناً ، وأهدى سبيلاً.. وقد يسر لهم سبيل الهداية وبيّنها ، وحذَّرهم سُبل الغواية وقبَّحها فقال تعالى: (( وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون )) [سورة الأنعام ، آية 153].

 وصراط الله المستقيم هو دينه الذي ارتضاه لعباده ، وأمرهم أن يتخذوه منهجاً يتبعوه ، وطريقاً يسلكوه ، وأمرهم بأن لا يتبعوا منهجاً غيره ، أو يسلكوا طريقاً آخر ، فإنهم إن سلكوا غير منهج الإسلام ستفترق به السُّبل ، فيهلكون ويخسرون الخسارة الكبرى.

  فالعبادة الخالصة لله وحده ، وفق السنّة المحمدية المتبعة هي الطريق الموصل إلى الله  تعالى ، وهي الصراط المستقيم ، والمنهج القويم الذي يتحقق به السير الحثيث لمرضاة المجيب المغيث ؛ فلا وسيلة توصل العباد إلى مرضاة ربهم أعظم من إسلام الوجه لله ، وإخلاص العبادة له حباًّ وتعظيماً ، وتوسلاً وإجلالاً لمقامه العظيم.  

ورغبة مني في المساهمة بتذكير نفسي وإخواني المسلمين بأهمية تحقيق العبادة الخالصة لله تعالى ، والاستقامة على طاعته ، وبذل الجهد في مرضاته تعالى ، والتذكير بما يترتب على ذلك :  من الخير الوفير ، والفضل العظيم ،  والفوز المبين بالسعادة الدائمة ، والطمأنينة التامّة ، واليقين الصادق ، والإيمان الكامل ، والتعظيم الواجب لله عز وجل ، والاقتداء بهدي الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.. ونظراً لما شاع في هذا الزمن من تساهل الكثير من الناس بأمر العبادة ! ، والتهوين من شأنها ! ، والرضى بأقل القليل منها بدون استشعار لأهميتها وفوائدها ، أو معرفة بحقيقتها التي لو عرفها العابد لَعَلِمَ أنه لا حياة لقلبه وجسده إلا بها ، ولا تحقيق لآماله وطموحاته إلا بإقامتها وتحقيقها ؛ لذا فقد اخترتُ الكتابة في هذا الموضوع تحت عنوان:

السير الحثيث لمرضاة المجيب المغيث ، فالسير إلى الله بالعبادة الخالصة له ، يحقق للعابد مرضاة خالقه جلَّ في علاه ، فيجيب دعاءه ، ويُعطيه سُؤْلَهُ ، ويحقق آماله ، ويغيثه من كرباته ، ويحميه من كل ما يُخيفُه ، ويصطفيه ويجتبيه فيجعله من عباده المخلصين ، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.  

  وقد جعلت الحديث في هذا الموضوع في مقدمة ، وثلاثة مباحث ، على النحو التالي:  

المبحث الأول: أهمية العبادة في حياة الناس ، وفيه ثلاثة مطالب :

    المطلب الأول:

مفهوم الحياة الدنيا من المنظور الشرعي.

    المطلب الثاني:

مفهوم العبادة في الإسلام.

    المطلب الثالث:

العبادة أعظم المصالح ، وأهم ضروريات الحياة.

  المبحث الثاني:

الاستقامة ضمانة الفوز وسبيل النجاة ، وفيه أربعة مطالب:

       المطلب الأول :

أهمية الاستقامة على الطاعة.

       المطلب الثاني:

الاستقامة الفردية.

      المطلب الثالث :

الاستقامة المجتمعية .

      المطلب الرابع :

ثمار الاستقامة على طاعة الله تعالى.

      المبحث الثالث:

خطر الانحراف وعقوبته ،

       وفيه مطلبان :

      المطلب الأول :

خطر الانحراف الفردي وعقوبته .

      المطلب الثاني :

خطر الانحراف المجتمعي وعقوبته .

ثم الخاتمة ، وفيها أهم النتائج والتوصيات.

 فالحديث في المبحث الأول عن أهمية العبادة في حياة الناس ، وفيه ثلاثة مطالب ، نأخذ منها في هذا المقال المطلب الأول وهو بعنوان : مفهوم الحياة الدنيا من المنظور الشرعي.

الحياة الدنيا هي مرحلة عمرية يمر بها كل مخلوق في هذا الكون ، وأهم ما فيها المرحلة التكليفية لكل مكلف من الثقلين ، فهذه المرحلة هي التي تنبني عليها سعادة المكلف أو شقاؤه!.. وهي فترة قصيرة جداً ، بل نقطة لا تكاد ترى في عالم الحياة الطويل جداً ؛ لأن الإنسان تمر به مرحلة التكليف كأقصر مرحلة لها ما قبلها وما بعدها ، فالحياة التكليفية يسبقها الأزل وسن ما قبل التكليف ، ويأتي بعد انقضائها الأبد ، فالأزل لا يعلمه إلا الله ﷻ ، والأبد لا انقضاء له ، بل إما أن يُخلَّد المكلف في نعيم دائم ، أو عذاب دائم.

يقول الله تعالى: (( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا )) إلى آخر الآيات من سورة الإنسان.

 فقوله تعالى: (( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا )) ، ” أي قد مضى على الإنسان حين من الدهر. و« هل » تجيء بمعنى : قد ، وبل ، وأَم.

    والمراد من الحين : هو مدة لبثه في بطن أمه أو في صلب أبيه. أو أريد بالإنسان: آدم عليه السلام. وبالحين الزمن السابق على خلقته وإيجاده ” ([1]) .

    يقول ابن كثير – رحمه الله – في تفسير الآية : ” يقول تعالى مخبراً عن الإنسان أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئاً يذكر لحقارته وضعفه ” ([2]) .

  وقوله تعالى: (( إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا )) أي : النطفة تكون أخلاطاً من ماء الرجل وماء المرأة ، وهذه الأخلاط هي التي يتكون منها الإنسان ! ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : (( مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ )) يعني : ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا ، ثم ينتقل بعد من طور إلى طور ، وحال إلى حال ، ولون إلى لون ” ([3]) .

    والقول بأن الأمشاج : هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة ، هو أيضاً قول عكرمة ، ومجاهد ، والحسن ، والربيع بن أنس ([4]).

 وقد بيَّنَ الله تعالى في الآيات السابقة أنه خلق الإنسان ، وكرَّمه وكمَّله بالحواس والقدرات التي يُميِّزُ بها بين الحق والباطل ، والخير والشر ، والطاعة والمعصية ؛ ليبتليه ويختبره بعد ذلك..  فإما أن يكون شكوراً لله عز وجل على خلقه وتكريمه وتفضيله على سائر المخلوقات ، فينال بذلك خيري الدنيا والآخرة ، في الدنيا : الإيمان والرضا والسكينة ، واطمئنان القلب وأنسه بالله تعالى.

    وفي الآخرة : الفوز بالجنان ، ومعانقة الحور الحسان ، والتمتع بكل الملذات ، وانقطاع الهموم والأحزان ، فيخلد في نعيم مقيم ، ويزاد له فوق كل الملذات والأفراح بلذة النظر إلى وجه الله الكريم المتعال.

    وإما أن يكون كفوراً جاحداً لأنعم الله تعالى التي لا تعدُّ ولا تُحصى ، فيكون جزاؤه في الدنيا الشقاء والضلال ، وفي الآخرة عذاب النار ، وغضب الجبار ، والخلود في العذاب السرمدي الذي لا انقطاع له أبداً ، كما قال تعالى: (( كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار)) (167)  [سورة البقرة ، آية 167] ، وقال تعالى : (( يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم )) [ سورة المائدة ، آية 37 ].

 فحقيقة الدنيا أنها دار اختبار وابتلاء ، ودار عمل وتكليف ، كما قال تعالى: (( تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير (1) الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور )) [ سورة الملك ]. أي : ” ليختبركم فينظر أيكم له أيها الناس أطوع ، وإلى طلب رضاه أسرع ” ([5]) .

    وعن قتادة في قوله تعالى: (( الذي خلق الموت والحياة )) قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ‹‹ إن الله أذلَّ بني آدم بالموت ، وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت ، وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء ›› ([6]) .

ويقول العلامة السعدي – رحمه الله – : ” أي : قَدَّرَ لعباده أن يحييهم ثم يميتهم ؛ (( ليبلوكم أيكم أحسن عملا )) أي : أخلصه وأصوبه ، فإن الله خلق عباده ، وأخرجهم لهذه الدار ، وأخبرهم أنهم سينقلون منها ، وأمرهم ونهاهم ، وابتلاهم بالشهوات المعارضة لأمره ، فمن انقاد لأمر الله وأحسن العمل ، أحسن الله له الجزاء في الدارين ، ومن مال مع شهوات النفس ، ونبذ أمر الله ، فله شر الجزاء ([7]).

 وقوله تعالى: (( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ))  تؤكد أهمية إحسان العمل ، ولا يكون حسناً إلا بتحقق أمرين :

  الأول: أن يكون العمل خالصاً لله تعالى.

  والثاني: أن يكون مشروعاً وموافقاً للسنّة.

    يقول الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى : ” أحسن عملاً : أخلصه وأصوبه.

    وقال : العمل لا يقبل حتى يكون خالصاً صواباً. فالخالص إذا كان الله. والصواب إذا كان على السنة ” ([8]) .

وقال الحسن رحمه الله تعالى : ” أيكم أزهد في الدنيا ، وأترك لها ” ([9]) .

 وقد بيَّنَ الله سبحانه وتعالى حقيقة الدنيا ، ومثَّل لها بالماء الذي ينزل من السماء فيختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام ، فينمو ويخضر النبات بعد نزول الغيث عليه ، ثم ما يلبث أن يذبل وييبس ويصبح هشيماً مصفراً بعد أن كان أخضر نضراً ، فيهلكه الله عز وجل فيصبح كأن لم يكن ، فقال تعالى: (( إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازيَّنَتْ وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون )) [سورة يونس  ، آية 24].

قال بعض المفسرين : تأويل الآية : ” أن الحياة في الدنيا سبب لاجتماع المال وما يروق من زهرة الدنيا ويعجب ، حتى إِذا استتم ذلك عند صاحبه ، وظن أنه ممتَّع بذلك سلب عنه بموته ، أو بحادثة تهلكه. كما أن الماء سبب لالتفاف النبات وكثرته ، فإذا تزيَّنت به الأرض ، وظن الناس أنهم مستمتعون بذلك، أهلكه الله ، فعاد ما كان فيها كأن لم يكن ” ([10]).

 ويقول السعدي – رحمه الله تعالى -: ” وهذا المثل من أحسن الأمثلة ، وهو مطابق لحالة الدنيا ، فإن لذاتها وشهواتها وجاهها ونحو ذلك يزهو لصاحبه إن زها وقتاً قصيراً ، فإذا استكمل وتَـمَّ ،  اضمحل وزال عن صاحبه ، أو زال صاحبه عنه ، فأصبح صفر اليدين منها ، ممتلئ القلب من همها وحزنها وحسرتها… (( كذلك نفصل الآيات )) أي : نبينها ونوضحها ، بتقريب المعاني إلى الأذهان ، وضرب الأمثال (( لقوم يتفكرون )) أي : يُعْمِلُون أفكارهم فيما ينفعهم. وأما الغافل المعرض ، فهذا لا تنفعه الآيات ، ولا يزيل عنه الشكَّ البيانُ  ([11]) .

    ففي الآية يضرب الله ” مثلاً لزهرة الحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها ، بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض بما أنزل من السماء من الماء…” ([12]) .  

 فالله سبحانه وتعالى يُنبّهُ العباد لحقيقة الدنيا الفانية مهما تجملت وتزيَّنت ، وراق منظرها ، وطاب نسيمها ، وتمايلت أغصانها ، حتى أخذت بلباب أهلها مما يرون من حسنها وجمالها وخضرتها ، وبديع ما خلق الله فيها ، عند ذلك يأتيها أمر الله ليلاً أو نهاراً فتصيبها جائحة ، أو صاعقة ، أو ريح باردة ، أو حريق يلتهم كل ما فيها ، فتصبح ((  كأن لم تغن بالأمس )) ، كأنها لم تكن جنة غنَّاء بديعة المنظر والجمال ، ” وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن ” ([13]) فهل من متعظ معتبر؟!.

 وقال تعالى في سورة الكهف: (( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً )). وقد قيل : إن الله جلَّ في علاه ” إنما شبَّهَ الدنيا بالماء لأن الماء لا يستقر في موضع ، كذلك الدنيا لا تبقى على واحد ، ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة كذلك الدنيا ، ولأن الماء لا يبقى ويذهب كذلك الدنيا تفنى ، ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتل  ، كذلك الدنيا لا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفتها ؛ ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعاً منبتاً ، وإذا جاوز المقدار كان ضاراً مهلكاً ، وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع وفضولها يضر ” ([14]) .

    وفي صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهـما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قد أفلح من أسلم ورُزِقَ كَفَافاً وقنَّعه الله بما أتاه ) ([15]).  

 وتتوالى آيات التنزيل الحكيم واصفةً حال الدنيا وأهلها ، ومبيّنةً  كيف يغتر بها كثير من الناس ، فيتباهون بها! ، ويفاخرون بما آتاهم الله فيها من الأموال والأولاد! وما بسط عليهم من النعم التي واجبها الشكر والحب والتعظيم لله جلَّ في علاه ، ولكن كثيراً من الناس يكفرون نعم الله تعالى ولا يشكرونها ، فقال تعالى : (( اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ))  [سورة الحديد ، آية 20 ] .

 ففي الآية توهينٌ لأمر الدنيا وبيان لحقارتها ، فهي ليست سوى زهرة فانية ، ونعمة زائلة عن أهلها ، كما أن الغيث الذي يأتي بعد انقطاع يُنبت زرعاً أخضر نضراً يُعجب الزُّرَّاعَ منظره ، ويروق لهم جماله! ، فلا يلبث أن يهيج فيصفرُّ وييبسُ ، ثم يكون حطاماً متكسراً لا جمال فيه ، ومنفعة منه ، و هكذا ” الحياة الدنيا تكون أولاً شابة ، ثم تكتهل ، ثم تكون عجوزاً شوهاء ، والإنسان كذلك في أول عمره وعنفوان شبابه غضاًّ طرياًّ لين الأعطاف ، بَهِيَّ المنظر ، ثم إنه يشرع في الكهولة فتتغير طباعه وينفد بعض قواه ، ثم يكبر فيصير شيخاً كبيراً ، ضعيف القُوَى ، قليل الحركة ، يُعجزه الشيء اليسير” ([16]).

  ولمَّا بيّن سبحانه وتعالى شأن الدنيا وحقيقتها ، وأنها فانية زائلة لا محالة ، نبّه العباد إلى أن بعدها الآخرة التي هي باقية لانقضاء لها ولا زوال ، وإنما يكون الأمر فيها إما عذاب شديد ، أو مغفرة من الله ورضوان ، وهذا البيان فيه ترهيب وترغيب ، وبيان لحقيقة المآل بعد زوال الدنيا وانقضائها.

 ثم ختم الله عز وجل الآية ببيان حقيقة الحياة الدنيا ، وأنها ليست سوى متاع يغتر بها الجاهل ويركن إليها ، فتغره وتُعجبه ، فينبهر بها ويقضي عمره كَلِفاً بها ، حريصاً على جمع حطامها ، ناسياً عظيم قدر الآخرة وخطرها ، وأنها هي الدار الباقية التي فيها الخلود الدائم إما في النعيم المقيم ، أو في العذاب الأليم.

     سأل رجل عليّاً رضي الله عنه أن يصف الدنيا ؟ ، فقال : ” ما أصف من دار أوّلها عناء ، وآخرها فناء ، حلالها حساب ، وحرامها عقاب ، من استغنى فيها فُتِنَ ، ومن افتقر فيها حزن ” ([17]) .

 وقال رضي الله عنه في إحدى خطبه : ” أوصيكم بتقوى الله والترك للدنيا التاركة لكم وإن كنتم لا تحبون تركها ، المُبْلِيَةِ أجسامكم وأنتم تريدون تجديدها ، فإنما مثلكم ومثلها كمثل قوم في سفر سلكوا طريقاً وكأنهم قطعوه ، وأفضوا إلى علم فكأنهم بلغوه ، وكم عسى أن يجري المجرى حتى ينتهي إلى الغاية ، وكم عسى أن يبقى من له يوم في الدنيا وطالب حثيث يطلبه حتى يفارقها ، فلا تجزعوا لبؤسها وضرائها فإنه إلى انقطاع ، ولا تفرحوا بمتاعها ونعمائها فإنه إلى زوال. عجبت لطالب الدنيا والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه ” ([18]) .

  وقال محمد بن الحسين : ” لما علم أهل الفضل والعلم والمعرفة والأدب أن الله عز وجل قد أهان الدنيا ، وأنه لم يرضها لأوليائه ، وأنها عنده حقيرة قليلة ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم زهد فيها وحذَّر أصحابه من فتنتها ، أكلوا منها قصداً ،  وقدّموا فضلاً ، وأخذوا منها ما يكفي ، وتركوا ما يُلْهِي.

    لبسوا من الثياب ما ستر العورة ، وأكلوا من الطعام أدناه مما سد الجوعة ، ونظروا إلى الدنيا بعين أنها فانية ، وإلى الآخرة أنها باقية ،  فتزودوا من الدنيا كزاد الراكب ، فخرَّبوا الدنيا وعمَّروا بها الآخرة ، ونظروا إلى الآخرة بقلوبهم ، فعلموا أنهم سينظرون إليها بأعينهم ، فارتحلوا إليها بقلوبهم لما علموا أنهم سيرتحلون إليها بأبدانهم.

    تعبوا قليلاً ، وتَنَعَّمُوا طويلاً ، كل ذلك بتوفيق مولاهم الكريم ، أحبّوا ما أحب لهم ، وكرهوا ما كره لهم ” ([19]).  

  ومما وُصِفَتْ به الدنيا أنها ” سريعة الفناء ، قريبة الانقضاء ، تَعِدُ بالبقاء ثم تخلف في الوفاء ، تنظر إليها فتراها ساكنة مستقرة ، وهي سائرة سيراً عنيفاً ، ومرتحلة ارتحالاً سريعاً ، ولكن الناظر إليها قد لا يُحِسُّ بحركتها فيطمئن إليها ، وإنما يُحِسُّ عند انقضائها ، ومثالها الظل فإنه متحرك ساكن ، متحرك في الحقيقة ، ساكن الظاهر ، لا تُدْرَكُ حركته بالبصر الظاهر بل بالبصيرة الباطنة ” ([20]) .

قال المأمون : لو سئلت الدنيا عن نفسها ما زادت في وصفها عن وصف أبي نواس حيث يقول :

    إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت 

له عن عدو في ثياب صديق

  وله أيضاً في وصفها :

    ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابضٍ 

على الماء خانته فروج الأصابع ([21])

     وقال أبو العتاهية:

    يا من تَرَفَّعَ بالدنيا وزينتها 

    ليس الترفع رفع الطين بالطين

    إذا أردت شريف الناس كلهم 

فانظر إلى ملكٍ في زي مسكين

    ذاك الذي شرفت في الناس همّته 

  وذاك يصلح للدنيا وللدين

    وقال  رحمه الله تعالى :

    كفاك عن الدنيا الدنيَّة مخبراً 

غنى باخليها وافتقار كرامها

    وأن رجال النفع تحت مداسها 

وأن رجال الضر فوق سنامها ([22])

     وقال الفتح بن شخرف:

    كم يكون الشتاء ثم المصيف 

وربيع يمضي ويأتي خريف

    وانتقال من الحرور إلى الظل

وسيف الردى عليك منيف

    يا قليل البقاء في هذه الدار

إلى كم يغرك التسويف

    وقال محمود الوراق :

    كفلت لطالب الدنيا بِهَمٍّ 

طويلٍ لا يؤول إلى انقطاع

    وذلٍّ في الحياة بغير عزٍّ 

  وفقرٍ لا يدل على اتساع

   وشغلٍ ليس يعقبه فراغ 

   وسعىٍ دائمٍ مع كل ساعي

وحرصٍ لا يزال عليه عبداً 

وعبد الحرص ليس بذي ارتفاع ([23]) .

 

المراجع: 

([1]) أوضح التفاسير ، محمد عبد اللطيف الخطيب ، 723، ط6، المطبعة المصرية ومكتبتها ، 1383هـ/1964م.

([2]) تفسير القرآن العظيم ، ابن كثير ، 8/ 285.

([3]) المرجع السابق ، 8/285.

([4]) ينظر: المرجع السابق ، 8/285.

([5]) جامع البيان في تأويل القرآن ، لابن جرير الطبري ، 23/ 505.

([6]) تفسير القرآن العظيم ، لابن كثير ، 23/505.

(([7] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ، عبدالرحمن بن ناصر السعدي ، 875.

([8]) معالم التنزيل في تفسير القرآن ، الحسين بن مسعود البغوي ، 5/124-125.

([9]) المرجع السابق ، 5/125.

(([10] زاد المسير في علم التفسير ، 2 / 325.

([11]) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ، 361-362.

([12]) تفسير القرآن العظيم ، 4 / 259.

([13]) المرجع السابق ، 4/ 259.

([14]) الجامع لأحكام القرآن ، 10 / 412.

([15]) أخرجه مسلم ، في كتاب : الزكاة ،  باب : في الكفاف والقناعة برقم ( 1054) .

([16]) تفسير القرآن العظيم ، 8 / 24 .

(([17] العقد الفريد ، أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي ، 3 / 119 ، ط1 ، دار الكتب العلمية  ، بيروت ، 1404 هـ

([18]) إحياء علوم الدين ،  أبو حامد الغزالي ، 3 / 213 – 214 ، ط دار المعرفة ، بيروت.

([19]) المرجع السابق ، 3 / 214.

([20]) المرجع السابق ، 3 / 214 .

(([21] بهجة المجالس وأنس المجالس ، لابن عبد البر ، 237- 238.

(([22] المرجع السابق ، 238.

([23]) المرجع السابق ، 238.

  الثلاثاء الموافق 14 محرم 1445هـ.

‫3 تعليقات

  1. ما شاء الله بارك الله فيك وفي هذا الإعداد الراقي نسأل أن ينفع به وبك فهو موضوع شامل وكامل كفيت ووفيت اعدادا وشرحا وتوضيحا زادك الله فضلا وعلما يا شيخنا الفاضل من لي بمثلك خلقا وعلما وحبا للخير فجزاك الله خيرا واسعدك دنيا وأخرة..

  2. بارك الله فيكم ، وتقبل الله منا ومنكم.. وأسأل الله أن يرزقنا جميعاً الإخلاص والقبول ، وأن يغفر لنا ويتجاوز عنا.
    اللهم آمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى