
مع إطلالة شهر رمضان، لا يدخل علينا زمنٌ جديد فحسب، بل تدخل معنا فرصةٌ أخرى لمراجعة الطريق. فنحن – في زحمة الأيام – نمضي مثقلين بما نحمله في صدورنا من آلامٍ قديمة، وأحلامٍ مؤجَّلة، وذكرياتٍ لا تزال تلقي بظلالها على تفاصيلنا الصغيرة. ولا أحد يمضي في حياته بلا عثرات؛ فكلُّ إنسانٍ له معركته الخفيّة التي لا يراها سواه.
نبدو أقوياء، لا لأنّ الألم لم يمسّنا، بل لأنّ ثقتنا بالله أكبر من انكساراتنا. نؤمن أنّه يغيّر الأحوال، ويجبر الخواطر، ولا يخذل من احتمى برحمته. لذلك اعتدنا النهوض بعد كلّ تعثّر، وتعلّمنا أن نربّت على قلوبنا كلّما أرهقها الانتظار، ونهمس لها في يقينٍ هادئ: إنّ كلّ مُرٍّ إلى زوال.
رمضان يذكّرنا بهذه الحقيقة العميقة؛ فالصيام ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل تربيةٌ للروح على الصبر، ومصالحةٌ للنفس مع ضعفها، وتجديدٌ للثقة بأنّ في الغيب خيرًا يليق بما نبذله من احتمالٍ وصبر. الحياة تتقلّب لتُعلّم، وتبتلي لتُهذّب، وتختبر ليبقى الرجاء حيًّا، غير أنّ السلام الحقّ يبدأ من الداخل، حين نسلّم أمرنا لله، ونوقن أنّنا نستحقّ الراحة والطمأنينة كما نستحقّ السعي والعمل.
وفي هذا الشهر المبارك، حيث تتضاعف الحسنات وتلين القلوب، تتجلّى قيمة «جبر الخواطر» بوصفها عبادةً خفيّة لا تقلّ شأنًا عن سائر القربات. فالناس متعبون، وإن بدوا متماسكين. وكلمةٌ طيبة في وقتٍ ضيق، أو ابتسامةٌ صادقة تمحو أثر يومٍ ثقيل، أو صمتٌ حكيم يستر عجزًا؛ قد تكون كلّها سببًا في إحياء قلبٍ أو تخفيف همٍّ أو إعادة أمل.
الأثر الجميل هو العملة الوحيدة التي لا تفقد قيمتها مهما طال الزمن. وما نزرعه من لطفٍ في دروب الآخرين سيعود إلينا ظلًّا ورحمةً في دروبنا. رمضان موسمُ أثرٍ قبل أن يكون موسمَ مظهر؛ موسمُ معنى قبل أن يكون موسمَ عادة.
سنرحل جميعًا، ويبقى ما صنعناه من أثرٍ في القلوب. فلنُحسن في هذا الشهر إلى بعضنا بعضًا، ولنجعل الحبّ دعاءً متبادلًا بين القلوب، ولنجعل الصدقة دواءً للروح قبل أن تكون عطاءً لليد.
رمضان ليس محطةً عابرة في التقويم، بل فرصةٌ لتجديد العهد مع الله، ومع أنفسنا، ومع الناس من حولنا؛ أن نكون أخفّ على بعضنا، وأقرب إلى الرحمة، وأصدق في الأثر.
تجديد العهد بين الفعل والنية
آخر المواضيع
- تُقَاسُ القُوَّةُ الحَقِيقِيَّةُ لِلكَتِفِ بِاطمِئنانِ المُتَّكِئِينَ عَلَيْهِ
- على خطى المؤسس.. محطات المجد في مسيرة توحيد الوطن
- في جزر فرسان يكتب البحر سيرة الحجر
- السديس يشيد بزيارة سمو ولي العهد للمسجد النبوي ويؤكد: تجسيدٌ لاهتمام القيادة بخدمة الحرمين وزائريهما
- جازان… حاضنة الثقافة والأدب والفن، وموطن المجد والإنسان



