آداب

مهاء الحسن .. من العجز إلى المعجزة

بقلم : أحمد الفيفي
صحيفة بصمة اون لاين

تتجلى الحكايات الإنسانية الملهمة كلوحاتٍ تشكيلية نادرة تتداخل فيها ظلال الوجع بأنوار اليقين. وفي ليلةٍ ثنائية الضياء، استضاف “نادي حرف الثقافي” والشريك الأدبي مقهى “براح” المحامية مهاء الحسن التي صاغت من عتمة المعاناة غيمةً ماطرة بالأمل.

حوار كشف ملامح الحكاية

أدار دفة هذا اللقاء الاستثنائي باقتدار وعمق المحاور المتميز حسن الريثي ليفتح للحضور نافذةً على تفاصيل حكايتها العظيمة.

مهاء الحسن .. من العجز إلى المعجزة

طفولة تنبض بالفرح في بيش

في بداءة التكوين، وقبل أن تطأ الأقدام عتبات الوجع، كانت تدرج في مرابع بيش الدافئة بطبيعتها وناسها صبيةٌ مرحة، فرحة، شرحة، بثوبها الممتلئ بالحياة وضحكتها التي تزرع البهجة في أركان المكان؛ تألف وتُؤلف في لمح البصر، وتأخذ الأمور ببساطة عفوية آسرة.

أم تصنع الحلم وأب يزرع الوعي

نمت هذه الصبية، مهاء الحسن، في كنف عائلة بسيطة كسائر مجتمعاتنا، حيث تلتقي الأيدي لتصنع الغد. وكانت نشأتها غنية بوجود أمٍّ حنونة، موجهة، حكيمة، تبث في روحها الطموح وتدفع خطوتها نحو التميز، مسندة إياها بكلمات البناء والترشيد، لتغرس في نفس الصبية الشغوفة رؤية واضحة للمستقبل.

وفي هذا الكنف الدافئ، كان يتجلى أيضًا دور والد حنون ومربٍّ رحيم، يجمع بين مهنته في قطاع الصحة وعاطفة الأديب ناصع الفكر؛ يقضي نهاره طالبًا للبلسم، ويقضي ليله قارئًا يقتفي أثر الجمال في قصاصات الشعر ويطالع وجه العالم عبر صفحات الجرائد اليومية.

ذاكرة الجد وتفاحة المحبة

وفي زاوية دافئة من تلك النواحي، كان يتجلى طيف جدها الحنون “محمد”، حين يعود من الأسواق الشعبية محملاً بالهدايا، وبيده تفاحة يقتطع منها قضمة حانية، ثم يناولها لمهاء لتكمل بها طعم الفرح.

كانت تلك القضمات المقتطعة من قلب التفاح هي درسها الأول في تذوق المحبة وتشرّب الأمان.

الحلم الأول.. “أنا الفنانة التشكيلية”

كبرت الصبية ويسكن الخيال تفاصيلها، حتى خطّت هدفها بيقين غريب منذ تخرجها من المرحلة المتوسطة حين كتبت في دفاترها باعتزاز: “أنا الفنانة التشكيلية”.

المرض الذي غيّر مجرى الحياة

في غمرة ذلك الطموح الباكر، وفي أعتاب المرحلة الثانوية، تستر في جسد مهاء مرضٌ شرس غامض يُدعى متلازمة ديفيك؛ ذلك الالتهاب المناعي الشديد الذي يستهدف النخاع الشوكي والعصب البصري، فيعزل الإشارات العصبية، ويحيل وارف الحركة إلى سكون مطبق، ويهدد الضياء في العيون.

اختبار الكيمياء وخوف الطفولة

بدأت فصول المرض في مستشفى عسير، وهناك تجلت براءة الطفولة المتشبثة بدفء “بيش” وحرصها الشديد على مقاعد الدراسة. كانت مهاء ترفض تماماً فكرة سحب عينة من نخاعها الشوكي، إذ كان كل همها العودة السريعة إلى مقاعد الدراسة لأن لديها اختباراً في مادة الكيمياء.

بين الصدمة والتحول إلى حالة نادرة

أمام هذا الرفض والخوف الطفولي من ضياع الاختبار، وقف الطبيب ليفاجئها بالحقيقة الصادمة: “نحن نشتبه بوجود مرض خطير في جسدكِ”. وفي تلك الردهات، تحولت مهاء إلى حالة طبية نادرة؛ فكانت طالبات الامتياز يتدفقن على غرفتها ليتفحصن حالتها.

رحلة الإخلاء الجوي إلى الرياض

تفاقم الوضع، وشاع في الأرجاء خبر “إخلاء جوي” يحملها إلى الرياض، المدينة التي كانت وقتها غريبة على العائلة، لا قريب فيها ولا مجير سوى الله.

العائلة.. الحصن الأول في وجه الانهيار

وسط هذا الذهول، برزت العائلة بكل ثقلها الإنساني والوجداني؛ إذ كانت ساحة مواجهة بين فيضان من العواطف والمخاوف الشفيقة.

الأب الذي رفض الاستسلام

غير أن الأب الحازم المشرّب بروح الإنسانية والوعي وقف كالسد المنيع؛ رفض تلبية الحجب والإقصاء، وأصرّ على أن تظل أبواب بيته مشرعة لصديقاتها ومحيطها، متمسكاً بأن تظل مهاء متصلة بالوجود تنبض بالحياة، وهو يردد بثبات:
“ابنتي بخير.. وستشفى!”.

العلاج بالخيال.. حين تصبح الروح دواء

في تلك الشهور العجاف التي استباح فيها المرض طمأنينة الجسد، لم تستسلم مهاء لقيد الفراش؛ بل انطلقت في فضاء رحب ابتكرته بنفسها ولنفسها: “العلاج بالخيال”.

الفن التشكيلي.. ميلاد جديد من قلب الألم

ومن عمق هذا الخيال المتقد، أورق الفن وأبدع في تفاصيلها؛ فطوّعت أصابعها الواهنة التي أنهكها المرض، وأمسكت بقلم الرصاص لتصنع قيامتها الخاصة، وترسم تفاصيل متلازمتها في لوحة تشكيلية سريالية بعمق وجداني مدهش.

الابتلاء الذي قرّبها من الله

هذا المعراج الفني كان يسير بالتوازي مع معراج روحي عظيم؛ إذ إن الابتلاء قرّبها من الله قربًا أورثها ألفة ورحمة وطمأنينة تفوق الوصف.

يوم الوقوف الأول.. بداية الشفاء

في منتصف شهر رجب، حدثت المعجزة؛ اليوم الذي شهد وقوفها الأول على قدميها بتوفيق الله، يعقبه تكثيف بليغ للعلاج الطبيعي، ثم انتقال مدروس إلى الرياض لاستكمال رحلة التعافي.

العودة إلى جازان.. الخروج من العتمة

وكان السادس من ذي الحجة موعداً مع العودة إلى جازان؛ عودة من قاع العجز إلى فضاءات الوجود البهي والتشافي التام.

القانون.. طريق الانتصار الجديد

مضت مهاء نحو حلمها القديم، مسترشدة بنصيحة والدتها الحنون، فاختارت دراسة القانون ميثاقًا، وركبت لدمجه الصعاب الجسام رغم الانتكاسات الصحية المتكررة.

المحاماة.. انتصار الروح على الألم

كان نجاحها في المحاماة تجسيداً حياً لـ”انتصار الشفاء” وغلبة الروح الحية الملهمة.

“ها أنا ذا عدت”

اليوم، تقف مهاء الحسن بنبرتها المرحة العفوية المحبوبة، التي تحيل الضيق فرجًا، مستحضرة طيف جدها وتفاحته الحانية، لتقول للعالم بملء فيها:
“ها أنا ذا عدتُ.. لأكتب، لأرسم، لأغني، لأفرح، وأطبخ!”.

خاتمة الحكاية.. غيمة تمطر أملاً

لقد تحولت المعاناة في حكاية مهاء إلى أثر بهيج؛ صاغت من دياجير “ديفيك” قيامةً مجيدة للروح، وأثبتت أن الجسد إذا كلَّ وتداعى، فإن الروح المؤمنة المشرقة، إذا ازدانت بالفن والخيال واحتضنتها العائلة بحبها وثباتها، انقاد لها الوجود طائعًا ملبيًا، ليبقى عبير مسيرتها غيمةً ماطرة بالأمل تنطلق من قلب “بيش” لتسكن قلوب كل من يقرأ حكايتها العظيمة.

بصمة اون لاين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى