رحيلُ مُعلِّمِ الفجر

بقلم : حمد دقدقي
صحيفة بصمة اون لاين
في مشهدٍ مهيبٍ تفيضُ فيه الذاكرةُ وفاءً، وتغتسلُ الأرواحُ بدموعِ الفقد، ودّعت الساحةُ العلميةُ والدعويةُ بمنطقة جازان ومحافظة ابوعريش خاصةً والمملكة العربية السعودية عامة.
عَلَمًا من أعلامها، ورجلاً عاش للقرآنِ فكان له خادمًا، وبنورِه مهتديًا، الشيخ ناصر أحمد جبران قحل – رحمه الله – الذي ترجل بعد مسيرةٍ عامرةٍ بالعطاء، تاركًا خلفه إرثًا من النور لا يخبو، وأثرًا في القلوب لا يُمحى.
وُلد الشيخ في قرية “شهرين” بمحافظة الحرث بمنطقة جازان، كفيفَ البصر، لكنّه كان نافذَ البصيرة، مبصرًا بنور الإيمان والعلم، فلم تكن الإعاقة يومًا عائقًا، بل كانت دافعًا لصناعة مسيرةٍ استثنائية تُروى للأجيال. منذ نعومة أظفاره، حمل قلبه كتاب الله، فحفظه صغيرًا، ونهل من معين العربية والتوحيد والفقه، حتى صار مناراتٍ تمشي على الأرض. تنقّل بين حلقات العلم، من مسجد قريته إلى مدرسة الشيخ القرعاوي، ثم إلى المعهد العلمي بصامطة، حيث صقلت عزيمته، واشتد عوده، قبل أن يشدّ الرحال إلى الرياض، ليلتحق بكلية الشريعة، ويغترف من مجالس العلماء، فكان مجلسه عامرًا بالعلم، وقلبه عامرًا بالخشية، ولسانه رطبًا بذكر الله.
وحين عاد، لم يعد لنفسه، بل عاد لأمته، معلّمًا ومربيًا، يغرس في طلابه حب القرآن، ويُهذّب أرواحهم بلغة الضاد، فكانت دروسه بعد الفجر نورًا يُستقبل به النهار، ودروسه بعد المغرب سكينةً تُختتم بها الأرواح يومها. وفي منزله، كانت مكتبته منارة، يتفيأ ظلالها طلاب العلم، ويتزودون منها زاد الهداية.
لم يكن الشيخ ناصر مجرد معلم، بل كان مدرسةً قائمة بذاتها؛ في تواضعه، في زهده، في سَمْته، وفي صدقه. كان قريبًا من الناس، حاضرًا بينهم، يصلح ذات البين، ويقود القلوب إلى الطمأنينة، كأنما خُلق ليكون جسرًا بين الأرض والسماء.
واليوم، وقد غاب الجسد، بقي الأثر؛ بقي صوته يتردد في المحاريب، وبقيت كلماته تنبض في صدور تلاميذه، وبقيت أخلاقه حيّةً تمشي بين الناس. لم يرحل الشيخ ناصر، بل تحوّل إلى دعاءٍ دائم، وذكرٍ طيب، وسيرةٍ تُحكى كلما ذُكر الصالحون.
لقد كان – رحمه الله – مثالًا للعزيمة التي لا تُقهر، والإيمان الذي لا يتزعزع، والعلم الذي يُثمر عملاً. عاش للقرآن، ومات على خدمته، فكان جديرًا أن يُزفّ إلى ربه في موكبٍ من الدعوات الصادقة والقلوب المكلومة.
رحم الله الشيخ ناصر قحل، رحمةً واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وألهم أهله ومحبيه وتلاميذه الصبر والسلوان.
فما بين الفجر الذي علّم فيه، والمحراب الذي ودّعه، قصةُ عمرٍ كُتبت بحروفٍ من نور، ولن تُمحى.
- جيولوجيا المعنى”.. حين يتحول الشعر إلى رحلةِ حفرٍ في أعماق الروح
- أيتام جازان يشاركون في توديع ضيوف الرحمن ضمن مبادرة “على خطى النسك”
- جمعية دعم التعليم “تعلُّم” تقيم لقاء رجال اعمال المنطقة الشرقية
- جمعية محمد بن ناصر للإسكان التنموي تشارك في مبادرة “على خُطى النُّسك” لتوديع ضيوف الرحمن بجازان
- جمعية إحسان لحفظ النعمة بجازان تشارك في توديع ضيوف الرحمن ضمن مبادرة “على خُطى النُّسك”



