آدابمقالات

المذيع السعودي بين المجاملة والتهميش: صوتٌ يبحث عن مكانه

بقلم : مقبل الغفيري .. إعلامي
صحيفة بصمة اون لاين

في المشهد الإعلامي السعودي، يقف المذيع عند مفترق طرق دقيق، تتجاذبه قوتان متناقضتان: مجاملة تُفرغ الكلمة من صدقها، وتهميش يُطفئ بريق الصوت مهما بلغ من الإحتراف. وبين هذا وذاك، يظل السؤال معلقًا: أين يقف المذيع الحقيقي؟

المجاملة في الإعلام ليست خطيئة بحد ذاتها، لكنها تتحول إلى عبء حين تصبح منهجًا. حين يُطلب من المذيع أن يُرضي الجميع، يفقد القدرة على أن يكون مرآةً للواقع. يتحول من ناقلٍ للحقيقة إلى مُجمّلٍ لها، ومن صانع رأي إلى تابعٍ له. وفي بيئةٍ تتسارع فيها الأحداث وتتسع فيها مساحات الوعي، لم يعد الجمهور ينجذب للصوت الذي يُهادن، بل للصوت الذي يُشبهه ويعبّر عنه بصدق.


في المقابل، يبرز التهميش كوجهٍ آخر لا يقل قسوة. هناك مذيعون يمتلكون أدواتهم بامتياز؛ صوتٌ متزن، حضورٌ قوي، وثقافةٌ عميقة، لكنهم يقفون على هامش المشهد، لا لضعفٍ فيهم، بل لغياب الفرص العادلة، أو لهيمنة أسماء مكررة، أو لعدم وجود بيئة تحتضن المواهب وتُنمّيها. التهميش هنا لا يُقصي الأفراد فقط، بل يُضعف الإعلام ذاته، حين يُحرم من طاقات قادرة على التجديد.


المشكلة ليست في المجاملة وحدها، ولا في التهميش فقط، بل في العلاقة بينهما. فحين يُكافأ الصوت المُجامل، ويُهمل الصوت الصادق، تُعاد صياغة المعايير بشكلٍ معكوس. يصبح القرب أهم من الكفاءة، والقبول أهم من التأثير، فتتراجع الرسالة الإعلامية لصالح الشكل، ويغيب العمق خلف ستار الظهور.


ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الإعلام السعودي يعيش مرحلة تحول، مدفوعة برؤية طموحة ومساحات جديدة من الحرية والمسؤولية. هذه المرحلة تفتح الباب أمام المذيع ليعيد تعريف دوره، لا كمجرد ناقلٍ للخبر، بل كصانع محتوى، ومؤثر في الوعي، وشريك في بناء الصورة الذهنية للمجتمع.


المطلوب اليوم ليس مذيعًا يُجامل، ولا مذيعًا يشتكي التهميش، بل مذيع يعرف قيمته، ويطوّر أدواته، ويصنع فرصه حين تغيب. مذيع يُدرك أن الحضور الحقيقي لا يُمنح، بل يُنتزع بالاحتراف، وأن الصوت الذي يحمل صدقًا لا يمكن أن يُهمّش طويلًا.


في النهاية
يبقى الإعلام مرآة المجتمع، والمذيع هو صوتها. فإذا اختار الصدق، انعكس النقاء وإذا استسلم للمجاملة، تشوّهت الصورة. وبين هذا وذاك، تُكتب الحكاية… حكاية صوتٍ يبحث عن مكانه، لا في الظل، بل في الضوء الذي يستحقه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى