مقالات

زمن الانتظار .. كيف نحسبه؟!

د. مصلح البركات – صحيفة بصمة اون لاين

في حياة الناس زمنٌ لا يُحسب بالدقائق فحسب، بل بما يتركه في النفوس من أثر. ذلك هو زمن الانتظار؛ الوقت الذي يقف فيه الإنسان بين أملٍ بالقدوم ومللٍ من التأخر، بين احترامٍ يفرضه الموعد، وبرودٍ يهدمه التأخير. في تلك اللحظات تتباطأ عقارب الساعة كأنها تتواطأ مع الصمت، ويغدو الزمن ثقيلاً لا يُطاق، لأن المنتظر لا يملك فيه إلا أن يحدق في الفراغ ويحصي الدقائق التي تتسرب من عمره دون جدوى.

الانتظار في حدِّ ذاته ليس مشكلة؛ فالحياة كلها في جانبٍ منها انتظار: انتظار للفرج، وانتظار للنجاح، وانتظار لقطاف الثمار بعد طول السعي. غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول الانتظار إلى زمنٍ ضائع، تُهدر فيه اللحظات لأن طرفًا آخر لا يرى في الموعد قيمة، ولا في الوقت أمانة. هنا لا يكون التأخر مجرد دقائق عابرة، بل رسالة صامتة تحمل شيئًا من البرود، وربما شيئًا من اللامبالاة، كأن الوقت الذي يقضيه الآخرون في الانتظار لا يعني شيئًا في حسابه.

المنتظر في تلك اللحظات يعيش حالةً نفسية مركبة؛ يبدأ متفائلًا، يهيئ نفسه للقاء أو للعمل أو للحديث، ثم شيئًا فشيئًا يتسلل الضجر إلى قلبه، ويتحول التفاؤل إلى تساؤل، ثم إلى امتعاضٍ خفي. تمر الدقائق بطيئة، ويشعر أن الزمن الذي كان يمكن أن يكون مليئًا بالعطاء أصبح مساحة فارغة لا تثمر شيئًا. وكأن الانتظار الطويل يسرق من الإنسان شيئًا من حماسه، ويبدد طاقته قبل أن يبدأ العمل.

أما المتأخر، فكثيرًا ما يأتي بوجهٍ بارد كأن شيئًا لم يكن، يحمل معه مبرراتٍ عابرة أو أعذارًا جاهزة، وربما لا يرى في الأمر مشكلة أصلاً. وهنا تتجلى المفارقة: أحدهم كان يحصي الدقائق بقلقٍ واحترام، وآخر يتعامل معها ببرودٍ واستخفاف.

بين هذين الموقفين تتضح قيمة الإنسان في نظرته للوقت؛ فبعض الناس يدرك أن الموعد وعد، وأن احترامه احترامٌ للآخرين قبل أن يكون التزامًا بالساعة، بينما يرى آخرون أن الوقت مساحة مرنة يمكن أن تُمدّ بلا حساب.

إن الزمن في حقيقته ليس مجرد أرقام على ساعة، بل هو جزء من أعمارنا يتسرب بصمت. كل دقيقةٍ تضيع بلا معنى هي قطعة صغيرة من الحياة لا يمكن استردادها.

ولذلك كان احترام الوقت في جوهره احترامًا للإنسان نفسه ولمن حوله، لأن من يقدّر لحظاته يقدّر لحظات الآخرين كذلك.

وربما كان أجمل ما يمكن أن يتعلمه الإنسان من تجربة الانتظار أن الوقت أثمن من أن يُهدر في البرود أو اللامبالاة. فالذين يأتون في موعدهم يمنحون الآخرين رسالة غير مكتوبة مفادها: “نحن نحترم وقتكم كما نحترم وقتنا”. أما الذين يتركون غيرهم أسرى للانتظار، فإنهم ـ دون أن يشعروا ـ يبددون شيئًا من الثقة، ويضيفون إلى رصيد الحياة زمنًا ضائعًا لا يعود.

وهكذا يبقى الانتظار مرآةً خفية تكشف طباع الناس؛ فهناك من يرى في الوقت قيمةً تُصان، وهناك من يمر عليه مرور الغافلين.

وبين هؤلاء وأولئك تمضي عقارب الساعة شاهدة على أن الزمن لا يتأخر أبدًا، وإنما نحن من نتأخر عن احترامه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى