
في مساءٍ صبيائيٍّ مشبعٍ بندى الحكاية، احتفى سفراء الأدب في صبيا باليوم العالمي للقصة القصيرة، في أمسيةٍ نظّمتها جمعية الأدب المهنية تحت شعار «القصة جسر لاكتشاف العالم»، مستضيفةً القاص محمد الرياني في فضاءٍ ثقافي احتضنه سونق كافيه، وبحضورٍ نوعيٍّ من الأدباء والمثقفين. غير أن هذه الأمسية، في قراءتها النقدية، لم تكن احتفالًا عابرًا بذكرى عالمية فحسب، بل كانت مساءلةً عميقةً لفن القصة القصيرة بوصفه كيانًا حيًّا يتجدّد في الوعي واللغة والمكان.
منذ الاستهلال، بدا أن إدارة الحوار – بحضور الشاعر عبدالله العماري، وتقديم الدكتور إبراهيم هجري – قد اختارت أن تضع التجربة في سياقها الإنساني قبل الإبداعي؛ فالسيرة هنا لم تُعرض كتواريخ جامدة، بل كمسار تشكّلٍ طويلٍ بدأ من دهشة الطفل أمام المذياع. تلك الصورة التي استعادها الرياني عن مذياعٍ صنعته له والدته من علب الكبريت، ليست تفصيلة طريفة بقدر ما هي مفتاحٌ تأويليٌّ لتجربته: الإصغاء بوصفه أصل الحكاية. فالقاص الذي تعلّم الإصغاء مبكرًا، تعلّم في الوقت ذاته كيف يُحوّل الصوت إلى نص، والذاكرة إلى مشهد.
في مقطوعته النثرية عن صبيا، تجلّت قدرة الرياني على تشخيص المكان ومنحه ملامح أنثوية شفيفة؛ صبيا لديه ليست جغرافيا فحسب، بل كائنٌ يتزيّن بالخطور والبعيثران ويتعطّر بالفل. هذه الاستعارة الكلّية تكشف عن وعيٍ جماليٍّ يُعيد إنتاج المكان عبر اللغة، فيتحوّل الريف من هامشٍ سردي إلى مركزٍ دلالي. ومن هنا يمكن القول إن الرياني لا يكتب عن الريف بوصفه حنينًا، بل باعتباره أفقًا إنسانيًا مفتوحًا، تتقاطع فيه التفاصيل الصغيرة مع الأسئلة الكبرى.
وعند الحديث عن البدايات، بدت تجربة كتابة الرسائل في الطفولة لحظةً تأسيسية؛ فالرسالة – في جوهرها – شكلٌ أوليٌّ من أشكال السرد، قائمٌ على الحضور والغياب معًا. إن انتقال الرياني من الرسالة إلى القصة لم يكن قفزةً نوعية، بل تطوّرًا طبيعيًا لوعيٍ مبكرٍ بأهمية التعبير. كما أن شغفه بالقراءة، حتى لما كُتب على المعلبات وأغلفة المنتجات، يكشف عن حسٍّ تأملي يرى في كل نصٍّ – مهما بدا عابرًا – إمكانيةً للدهشة.
إصداره إحدى عشرة مجموعة قصصية بين 2017 و2025، بدءًا من «ليلة على الرابية»، يشير إلى غزارةٍ لا تنفصل عن تراكمٍ صحفيٍّ طويل. غير أن الأهم من الكمّ هو إصراره على استقلال تجربته، وحرصه على ألا يكون صدى لغيره. هذه النزعة الاستقلالية، مقرونةً ببساطة اللغة وملامستها لطبيعة البشر – كما أشار الأديب محمد النعمي – تمنح نصوصه قابليةً للتلقي الواسع دون أن تفقد عمقها الرمزي.
أما المداخلات النقدية، ولا سيما تساؤل الدكتور خالد ربيع الشافعي حول حضور الألوان في قصصه، فقد فتحت بابًا تأويليًا مهمًا؛ فالألوان لدى الرياني ليست زينةً وصفية، بل علاماتٌ نفسية تُعبّر عن تحوّلات الشخصيات وتبدّلات الأمكنة. إن استحضار اللون بوصفه عنصرًا دلاليًا يعكس وعيًا بصريًا يُثري البناء السردي ويُضاعف طبقاته المعنوية.
في ختام الأمسية، لم يكن توزيع الإصدارات على الحاضرين مجرّد لفتة احتفائية، بل إشارة رمزية إلى أن القصة القصيرة ما تزال قادرةً على العبور من يدٍ إلى يد، ومن قلبٍ إلى قلب. لقد بدا الشعار «القصة جسر لاكتشاف العالم» متحققًا لا قولًا بل فعلًا؛ فالقصة هنا جسرت بين الطفولة والنضج، بين الريف والعالم، بين الصوت والصمت.
إن قراءة هذه الأمسية تؤكد أن القصة القصيرة، رغم تحديات العصر وتسارع إيقاعه، ما تزال فنًّا قادرًا على التقاط اللمحة الإنسانية الخاطفة، وصياغتها في لغةٍ مكثفةٍ تضيء ما حولها. وفي صبيا، تلك الليلة، لم يُحتفل بالقصة بوصفها نوعًا أدبيًا فحسب، بل بوصفها حياةً أخرى تُكتب كي لا تضيع.


- بين عينٍ تُبصر الحياة… وأخرى تلوّح للوداع
- “الغطاء النباتي” يُطلق “الشبكة الإقليمية للبذور البرية والرعوية” بالتزامن مع السنة الدولية للمراعي والرعاة
- فرع وزارة الشؤون الإسلامية في منطقة جازان يُنفّذ عدد من الفعاليات والمنجزات والبرامج الدعوية خلال شهر رمضان المبارك للعام الجاري 1447 هجرية
- شعلة أمل صغيرة تضيء سماء مكة
- عندما يلتقي الطموح بالعلم… وزير التعليم يحتفي بثمرة بحثٍ يضيء دروب الحوكمة



