
الشرق الأوسط منطقة ارتبط اسمها بالصراعات والحروب والتقلبات السياسية والاقتصادية ، وما ذلك إلا لتوسطها ، وأهميتها ، وكثرة الأطماع في السيطرة على خيراتها وثرواتها ، بالإضافة إلى ما لها من بعد ديني وثقافي ، وامتداد تاريخي محمَّلٌ بذكريات وأحداث لا يمكن نسيانها أو تجاهلها.
فهي منطقة ذات تاريخ عريق ، وثقافات غنية ومتعددة ، وشعوب تتميز بقوة إرادتها ، وشدّة بأسها ، وصعوبة قيادتها والسيطرة عليها .. فقد تحطَّمت الحملات الصليبية على أسوار مدنها! ، وخرج الاستعمار الغربي محمَّلاً بمشاعر اليأس من بقائه مسيطراً عليها ومتحكماً في شعوبها وثرواتها! ، وقد أبقى فيها بُؤراً للصراعات ، ومسببات فتنٍ وحروب! ، كما أنه زرع فيها كياناً عدوانيًّا وعنصريًّا يحمل عقيدة هدَّامة ، وأطماعاً توسعية لا حدود لها!.
وما زالت القوى الكبرى – وستبقى – طامعة في الشرق الأوسط ، وراغبة في مدِّ نفوذها إليه ، وتقوية وجودها فيه بشكل أو بآخر! ، فهي تتصارع عليه ، وتتسابق إليه!.
وهذه المنطقة الكبيرة في مساحتها ، والمتنوعة في ثقافاتها وتصوراتها ، والمتباينة في آمالها وطموحاتها ومصالحها يصعب توحيدها ، أو جمع دولها وشعوبها على توجه معين!.
ورغم هذه المصاعب والمتاعب والأخطار التي يموج بها الشرق الأوسط فقد برز قائدٌ شابٌّ ، متحمسٌ متوثبٌ ، قوي العزيمة ، عالي الهمّة ، سليل أماجدٍ كرام ، يؤمن بأن قوة الأمة في وحدتها وتعاونها ، وأن دورها القيادي والريادي ينبع من عزتها وقوتها ، فأعلن رؤيته للشرق الأوسط بأكمله! حيث قال : « أنا أعتقد أن أوربا الجديدة هي الشرق الأوسط … وسوف تكون النهضة القادمة في العالم في الثلاثين سنة القادمة في الشرق الأوسط إن شاء الله ، هذه حرب السعوديين! ، هذه حربي التي أخوضها شخصياً ! ولا أريد أن أفارق الحياة إلا وأرى الشرق الأوسط في مقدمة مصاف العالم ، وأعتقد أن هذا الهدف سوف يتحقق 100% » ، ذلكم هو سمو الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز – وفقه الله وأعانه وسدَّده – .
وقد أعلن ذلك في منتدى « مبادرة مستقبل الاستثمار » المنعقد في الرياض في شهر صفر 1440ه الموافق 23 – 25 أكتوبر 2018م .
إن هذه الرؤية الطموحة التي يقودها شاب مؤمن طموح ، معتز بدينه وعروبته! ، واثق بالله أولاً ، ثم بقدرات شعبه ، وأبناء أمته العربية والإسلامية ، هي في الحقيقة خطة تنمية وإعمار! ، وتطور وازدهار! ، فهي رؤية صادّة رادّة لرؤية الغرب القائمة على إضعاف المجتمعات العربية! ، وتفتيتها ، وإشغالها بالفوضى التي لا تتيح لها فرصة البناء والتطور ، ولا تعطيها مهلة للرخاء والازدهار.
إن سمو الأمير محمد بن سلمان – وفقه الله وأعانه – يقود مشروعاً حضاريًّا غير مسبوق في منطقة الشرق الأوسط ، جعل دول العالم تَرْقُبهُ بدهشة وإعجاب! ، وحفَّزَ دول المنطقة إلى الاقتداء برؤيته! ، والتطلع إلى الالتحاق بالركب الحضاري الذي تقوده المملكة بكل همة واقتدار – ولله الحمد والفضل والمنّة – ، فالرؤية السعودية لم تقتصر على إصلاح الاقتصاد السعودي وتنويعه فحسب ، بل تجاوزت ذلك نحو بناء نموذج جديد للتنمية يعتمد على الاستثمار في الإنسان ، والابتكار ، والانفتاح على العالم ، مع الحفاظ على الهوية الوطنية والقيم الإسلامية.
وإذا كان مرتكز رؤية سمو ولي العهد اقتصاديًّا ، فإن الجهد السياسي والدبلوماسي لا يقل أهمية عن الجانب الاقتصادي ، وإنما هما جهدان سعوديان يتعانقان ويتكاملان في رسم مستقبل زاهر وآمن ومستقر لمنطقة الشرق الأوسط بعون الله وتوفيقه وتيسيره.
ورغم الأحداث الجسيمة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط ، والتحديات الكبرى في ظل تداعيات العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية ، وتمدد هذا العدوان الغاشم على سوريا ولبنان ، وكذلك ما تقوم به إيران وأذنابها في المنطقة من زعزعة للأمن والاستقرار ؛ إلا أن السعودية بقيادة سموه الكريم تلعب دوراً هامًّا ومحورياً في إعادة صياغة ملامح الشرق الأوسط. فقد ساهمت في خفض التوترات الإقليمية ، وفتح قنوات الحوار مع القوى الإقليمية والدولية ، وتعزيز الاستقرار عبر الوساطة في عدد من الملفات الشائكة ، والقضايا الحساسة.
وفي القضية الفلسطينية تقف المملكة شامخة عصيَّةً على التعنت الإسرائيلي والانحياز الأمريكي الواضح مع الأطماع الصهيونية ، بل إن الدبلوماسية السعودية استطاعت أن تقود العالم إلى توجه مقبول في مساندة حل الدولتين ، والاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية على حدود 1967م ، وفق ما نصت عليه القرارات الدولية ، ومبادرة السلام العربية التي أُقِرَّتْ في مؤتمر بيروت عام 2002م.
فالقيادة السعودية تضع الحلول العادلة والواقعية التي تحقق الأمن والسلم الدوليين ، وتُثمر رخاءً واستقراراً في المنطقة والعالم ، وهي تعزز مواقفها بعلاقاتها الدولية ، وتشاركها لرؤيتها مع الدول ذات التأثير في مجريات الأحداث.
إن قدرة سمو ولي العهد على الربط بين الرؤية والواقع ، وبين الطموح والتنفيذ ، تجعل منه قائداً إقليميًّا مؤهلاً لرسم مستقبل الشرق الأوسط الذي يحلم به ، ويتمنى أن يراه في مصاف الدول المتقدّمة ، فالمملكة اليوم تُشيِّدُ المشاريع العملاقة على أرض الواقع ، وتضع نفسها في الموقع اللائق بها كقوة ذات تأثير اقتصاديٍّ وسياسيٍّ على المستوى الإقليمي والعالمي.
إن الشرق الأوسط – رغم ما يعانيه في ظل الظروف الحالية – لم يعد أسيرًا لخطابات الماضي ، بل بات أمام فرصة حقيقية لصناعة واقع جديد ، يقوم على التنمية والتعاون ، وبناء المستقبل مع قائد صادق مخلص ، له رؤية تتجاوز الحدود ، وإرادة لا تعرف التردد ، وعقلية تسابق الزمن ؛ ليرسم ملامح مستقبل أمته بكل ثبات وجرأة وشجاعة ، محفزاً بذلك دول المنطقة كافَّة لتكون كتلة واحدة في سعيها لتحقيق مصالحها ، وتوحيد جهودها ؛ لتحقيق النهضة الشاملة التي تعود بالخير والنفع والفائدة على جميع شعوب المنطقة .
نسأل الله أن يُمدَّ سموه بالنصر والتأييد والتوفيق لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين.
( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) .
د. علي بن يحيى بن جابر الفيفي
الأحد 8 ربيع الأول 1447ه.




بارك الله في فضيلة الشيخ الدكتور – علي بن يحيى جابر الفيفي، على مقاله الكريم الذي عكس بصدق ووفاء ما يبذله ولي العهد الأمين، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز .. حفظه الله من جهود عظيمة ومبادرات رائدة لخدمة الوطن وازدهاره، سائلين الله أن يديم على بلادنا نعمة الأمن والرخاء في ظل قيادتنا الرشيدة..
جزاكم الله خيرا د . علي على هذا المقال البليغ الذي لامس واقع المنطقة ، وسلط الضوء على رؤية قائد يحمل على عاتقه طموحات أمة بأكملها.
فكلماتك تعبر عن وعي عميق ، وتحليل دقيق ، وتفاؤل مبني على ثقة في الله أولا ، ثم في عزيمة هذا القائد الشاب الملهم.
وبالتأكيد فإن الشرق الأوسط أمام فرصة تاريخية لرسم مستقبل مشرق ، بقيادة تؤمن بأن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل ، وبأن العزة لا تمنح بل تنتزع بالعزم والعمل .
نسأل الله أن يوفق سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ، ويعينه في مسيرته المباركة نحو نهضة الأمة ورفعتها ، وأن يحفظ المملكة وقيادتها وشعبها من كل سوء.