جازان… حين تفتح بابًا للضوء، وتستقبل رجلين: رجلًا يصعد من الذاكرة، ورجلًا يقوده إليها بقلمه
بقلم: د. علي بن حسن جبران الفيفي

في مساءٍ ساحرٍ من مساءات جازان، مساءٍ توضّأ بعمق الأثر، وتطيَّب بشموخ الجبل، واختار أن يهبط على كتف المدينة كالقمر، وهو يعرف أنه نازلٌ على موعدٍ لا يُفَوَّت، احتضن مسرح بيت الثقافة – مكتبة جيزان العامة حفلَ تدشين كتاب:
(عاش لغيره: جمعان بن مزهر الحمراني)
فوقف الزمن برهةً كأنه يريد أن يُصغي، ووقفت المدينة على أطراف نبضها تتهيّأ لاستقبال اسمٍ لا يشبه الأسماء، ورجلٍ لا يشبه الرجال، وكاتبٍ لا يكتب بالحبر وحده، بل بالقلب حين يبلغ قمّة إخلاصه.
كانت هذه الليلة أشبه بوقفة صلاة، وأشبه بنداء قديمٍ يعود من بعيد… نداءٍ لا يسمعه إلا الذين ما زال فيهم حيّزٌ للدهشة، وفسحةٌ للضوء، وقابليةٌ لأن يصدِّقوا أن رجلًا يمكن أن يعود إذا ناداه كتاب، وإذا تشبَّثت به ذاكرة مدينةٍ كاملة.
في مقدِّمة المشهد: وقَفَ الأديب محمد بن علي حسن الفيفي، لا ككاتبٍ يقدّم مؤلَّفًا، بل كحارسٍ يفتح بابًا في جدار الليل ليمرّ منه رجلٌ لم يعتد أن يمرّ إلا بخفّة الضوء.
هذه الليلة لم تكن احتفالًا…كانت عودة!
عودةَ من ظنّه الناس ماضيًا، فإذا بالكتاب يوقظه كما توقظ الريح جمرًا تخيّل الجميع أنّه انطفأ.
✦ جمعان… رجلٌ يتكلّم بالضوء، ويكتب أيامه بالسكوت حتى تشهد له الأيام
هناك رجالٌ يتكلّمون بالضوء؛ يمرّون في الحياة كما تمرّ النسمة على الماء: لا تُرى، لكن أثرها يبقى.
وكان جمعان بن مزهر الحمراني واحدًا من هؤلاء الكبار الهادئين.
كان يميل إلى الصمت، لكن صمته كان أثقل من الخطب، ويميل إلى الخفاء، لكن خفاءه كان أوضح من الظهور.
لم يقل يومًا: ها أنا ذا، بل قالتْه أفعاله، قالته يداه وهما تمسحان عن الناس عناءهم، وقالته خطواته وهي تمضي في الطريق
وكأنما تعرف أن الخير لا يحتاج ضجيجًا ليكون خيرًا.
كان بسيطًا… لكن في البساطة قوّةٌ لا يملكها المتكلِّفون.
وكان هادئًا… لكن الهدوء حين يسكن القلوب يترك فيها أثر الجبال.
يمرّ… فتستقيم له اللحظة، وتتَّسع له الأرض، ويتغيَّر مزاج الحياة من حوله من دون أن يتكلّم بكلمة.
يمشي كأنما يعرف خيطًا سريًا يمتدّ بين الخطوة والقَدَر، وإذا وقف… سكتت الأشياء وكأنها تتعلّم من وقفته الطمأنينة.
لم يكن رجلَ المواقف المدوَّنة، بل رجلَ اللحظات الصادقة التي تبعث الخير دون أن ترفع صوتها؛ لحظاتٍ كان فيها العطاء غريزة، والتواضع عادة، والصدق قانونًا لا يُخالف.
لم يكن يترك أثرًا “مقصودًا”، ومع ذلك… كان أثره يبقى كما يبقى الملح في البحر، والنَّفَس في الصدر، والندى على ورق الصباح.
بعض الرجال لا يموتون حين يموتون، بل يموتون حين تُمحى آثارهم.
وجمعان – يا للدهشة – كان أثرًا لا يمكن لمحوٍ أن يبلغه.
✦ والكاتب… الذي لم يكتب عن الرجل بل كتب إليه، حتى عاد الغياب حيًّا من يده
محمد بن علي حسن الفيفي لم يكتب كتابًا؛ بل كتب بوّابة.
بوّابة تطلّ على رجلٍ أدرك الكاتب أن الزمن لم يُنصفه، فنهض ليكتب فيه… لا ما كان، بل ما يستحق أن يُخلَّد.
لم يكتب عن رجل، بل كتب إليه.
وشتّان بين أن تُدوَّن سيرة، وبين أن يُقام جسرٌ إلى روح.
جاء كتابه كأنما خرج من جوف ذاكرةٍ خاشعة، يستعيد الرجل… لا بتفاصيل ساعاته، بل بضياء جوهره، وبحضور تلك الصفات الخفيّة التي لا يدركها إلا من لمسوا أثرها.
لم يكن الكتاب وصفًا، بل كشفًا.
لم يكن سردًا، بل إشراقًا.
كان الكاتب يكتب… لا ليؤرِّخ، بل ليُعيد.
لا ليحكي، بل ليُقيم في الحضور رجلاً لم يتقن فنّ الظهور، لكنه أتقن فنّ أن يترك وراءه ما يشبه الضوء الأصيل.
كان يكتب وفي قلبه خشية!
خشيةٌ من أن يتساقط شيءٌ من ملامح الرجل بين السطور، أو أن تفلت منه لحظة عاشها ذلك الراحل بصدقٍ لا يتكرّر.
لم يكن في الكتاب لغةٌ فحسب…كان فيه وفاء!
وفاءٌ يشبه الماء حين ينحت الحجر… بلا صوت، وبلا طلب، وبلا قصدٍ إلا أن يكون وفيًّا.
وكأن الكاتب قال للزمن: لن أترك هذا الرجل يمضي بما يشبه الصمت… سأعيد له صوته، ولو بالحبر.
✦ جازان… المدينة التي تعرف أبناءها من رائحة أثرهم، ومن أثر الخطوة لا من سجلات الهوية
في هذه الليلة، لم تكن جازان تحتفي بكتاب، بل كانت تُعيد ترتيب قلبها.
جازان – هذه المدينة التي تقيس الرجال بما يتركونه خلفهم – وجدت نفسها وجهًا لوجه مع رجلٍ مرّ فيها مرَّ السحابة، لكن زرعه لا يزال ينبت إلى اليوم. جازان مدينة لا تقيس الناس بشهرتهم، بل تقيسهم بقَدْر ما يتركونه في طرقاتها… في وجوه أهلها… في حنينها المكشوف الذي لا يعرف الخجل من الحبّ.
ولذلك… حين نُطق اسم جمعان، ارتجف في صدر المدينة شيءٌ لم يعرف أحدٌ مصدره، لكن الجميع أدرك أنه موضع الأثر الذي تركه الرجل فيها.
لم تسأل: من أين جاء؟
بل قالت: ماذا ترك؟
والجواب كان كثيرًا… كثيرًا… حتى بدا الاحتفال نفسه ضيقًا على ما يستحقه ذلك الغائب الحاضر.
“هذا الرجل مرّ من هنا… وما زال يمشي معنا”
هكذا قالت جازان، لا بلسانها، بل بنبضها.
✦ الكتاب… نافذةٌ وجهازُ تنفّسٍ للذاكرة، وجسرٌ بين زمنين
هذا الكتاب ليس مجرّد سردٍ لسيرة، بل هو جهازُ تنفّسٍ للذاكرة. تتنفّس به قلوبٌ خافت أن يبهت وجه الرجل مع الوقت.
كلّما فتح القارئ صفحةً شعر أن الرجل يمرّ بجانبه مرةً أخرى… يمدّ يده… ويقول بطريقته الصامتة:
“لم أذهب… أنا هنا، ما دام الخير الذي زرعتُه لم يجف.”
الكتاب ليس وثيقة؛ إنه ممرّ بين زمنين: زمنٍ عاشه الرجل، وزمنٍ لم يعد فيه… لكن أثره فيه لا يغيب.
الكتاب ليس تكريمًا، بل إعادة إحياء… إحياء لروحٍ كانت تخاف على الناس من الحزن، وعلى الابتسامة من الانطفاء، وعلى نفسها من أن يُساء فهمها إن تكلّمت أكثر مما ينبغي.
لم يكن تدشين الكتاب حدثًا، بل كان عودة؛ عودةَ رجلٍ طال غيابه عن الأعين، وقلَّ غيابه عن القلوب.
لقد منح الكتابُ للراحل حياةً ثانية، حياةً لا تُعدّ بالأيام، بل بما تُشعله من نورٍ في الذين يقرؤونها.
صار الكتاب جسرًا بين الغياب والحضور، وشاهدًا على أن العطاء الذي يُزرَع بصدق لا يعرف الموت.
✦ حين يصير الإنسان قيمة… لا يعود الموت قادرًا عليه
بعض الرجال لا يُقاسون بما مرّ من أعمارهم، بل بما بقي من آثارهم. لا يموتون حين يموتون، بل يموتون حين تُمحى آثارهم.
وجمعان – في وجدان جازان – كان أثرًا لا يمكن لمحوٍ أن يبلغه. كان مجموعة مواقف تتّسع في معناها كلّما صغرت في وصفها، وكان حكمةً تمشي على قدمين، وكان عطاءً لا يعرف أن يلتفت إلى الوراء.
الزمن أمام هؤلاء ليس سيدًا… بل شاهدٌ يوقِّع أسفل أسمائهم:
“مرّوا من هنا، فلم تعد الأمكنة كما كانت.”
✦ الخاتمة: حين يلتقي نُبل الراحل بنُبل الكاتب، وتتحالف جازان معهما—يولد الضوء وتتكوَّن الأسطورة
في نهاية تلك الأمسية الوفية، التي كانت أبهى من العرفان، وأعمق من الذاكرة، وأصدق من الاحتفال، لم يكن السؤال:
من الذي عاد؟
بل كان: كيف عاد بهذا الصفاء؟
عاد جمعان كما يعود النسيم إلى نافذةٍ بانتظار، وعاد الكاتب كما يعود العطر إلى زهرته، وعادت جازان كما تعود الأمّ إلى حضن ابنها الذي لم تفقده… بل فقدت صوته فقط.
وقف رجلان في روح رجلٍ واحد:
جمعان بن مزهر الحمراني الذي عاش كما يُفترض بالنبل أن يعيش،
ومحمد بن علي حسن الفيفي الذي ردّ للنبل صوته، وللضوء نافذته، وللرجل خلوده.
لقد كتب الكاتبُ… لا ليمجّد سيرة، بل ليحرِّرها من الصمت.
لا ليحكي حياة، بل ليهمس للعالم:
هذا رجلٌ لا يجوز أن يضيع.
وفي ذلك الالتقاء الثلاثي: (رجلٌ نبيل، وكاتبٌ وفيّ، ومدينةٌ تُحب بصمت) وُلد ما يشبه الأسطورة!
أسطورةُ أن النبل لا يموت، وأن الذاكرة إذا حملها قلبٌ صادق تصير أقوى من الغياب، وأبقى من الزمن.
فكأن جازان كلّها قالت في ختام الليلة:
من عاش نبيلًا… لا يموت.
ومن كتب بصدق… أحيا.
ومن أحبّ بصمت… بقي.
رحم الله جمعان بن مزهر الحمراني،
وكتب له أجر ما أعطى،
وجزى الله الكاتب الوفي: محمد بن علي حسن الفيفي -الذي ردّ للغياب قلبه، وللذِّكرى صوتها، وللنور طريقه الذي يعرفه دائمًا- خير الجزاء.
بقلم: د. علي بن حسن جبران الفيفي
مساء الخميس ٢٠ جمادى الآخرة ١٤٤٧هـ

- لفتة وفاء لضيوف الرحمن.. نجوم السياحة تعايد الحجاج المرضى في النور التخصصي بمكة
- جمعية الأدب المهنية ممثلة في سفارتها بالعارضة في زيارة معايدة لمحافظ محافظة العارضة .
- فرع الشؤون الإسلامية بجازان ينفذ سلسلة كلمات دعوية ضمن برنامج القيم الإسلامية
- وقف بيت الحمد يحتفي بعيد الأضحى في أمسية جمعت الشركاء والإعلاميين
- الشؤون الإسلامية بجازان تنظّم سلسلة من المناشط الدعوية بمحافظة صبيا وقرى الملحاء والمخلاف




د. علي بن حسن جبران الفيفي،
لقد كتبتَ مقالةً تشبه الوقوف في حضرة ضوءٍ قديم؛ أعادت للغائب صوته، وللسيرة نبضها، ولجازان مرآتها التي ترى فيها أبناءها من عمق الأثر لا من وضوح الخطوة.
نصّك لم يكن حديثًا عن رجل، بل عبورًا إليه… عبورًا إلى جوهره الهادئ، وصدقه الذي عاش بصمت، وفضله الذي بقي كأثر النسمة على الماء: لا يُرى، لكنه لا يزول.
قرأتُ مقالك فشعرتُ أن جمعان عاد من بين السطور حيًّا، وأن العطاء حين يُكتب بضمير يصبح أعمق من السيرة، وأقرب من الذاكرة، وأصدق من الاحتفال.
شكراً للأديب محمد بن علي حسن الفيفي على هذا الجهد المميّز؛ نبارك لكم هذا الحضور البهيّ، ومباركٌ لقلمكم الذي لا يكتب كلمات… بل يوقظ أرواحًا، يجعل القارئ يشعر بوجود أثر كل فعل نبيل، حتى لو كان صامتًا، ويمنح الغائبين حياةً ثانية، ويعلّمنا أن الوفاء حين يُكتب بصدقٍ يصبح أجمل من الحضور نفسه.
شكرًا لقلمٍ يعرف كيف يُعيد ترتيب الضوء، وكيف يحفظ نُبل الرجال من الضياع، وكيف يزرع في القلوب امتنانًا لا يُقال إلا بصمت يشبه صمتهم.
جعل الله لكم في كل حرفٍ خيرًا، وفي كل أثرٍ بركة، وفي كل ما تكتبونه بابًا إضافيًّا للضوء
ام وائل الأمـــير