
ليس كل غلاءٍ سببه التاجر… أحيانًا نحن من نمنح الأشياء قيمتها حين نندفع لشرائها بلا وعي.
وحين يندفع الناس خلف الغالي، يرتفع… وحين يعرضون عنه، ينخفض — بهذه البساطة تُصنع الأسعار.
تداول نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي مقطعًا مصوّرًا لحراج لبيع السمك، وقد بلغ سعر إحدى الأسماك رقمًا مبالغًا فيه، أثار استغراب الكثيرين وتساؤلاتهم.
لكن الحقيقة التي قد يغفل عنها البعض أن الغلاء لا يصنعه التاجر وحده… بل يساهم فيه المستهلك أيضًا.
فقد واجه عمر بن الخطاب رضي الله عنه موجات الغلاء – خاصة في اللحم والسمن – بأسلوب اقتصادي واعٍ، يقوم على ترشيد الاستهلاك، لا فرض التسعير. حين قال كلمته الخالدة: “أرخصوه أنتم”… أي اتركوه، فيرخص.
ولم يكن قوله مجرد توجيه، بل طبّقه واقعًا، فكان قدوة في الزهد، حتى امتنع عن أكل السمن في عام القحط، مواساةً للناس وتربيةً للنفس على القناعة.
وفي موقف آخر، كتب علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى أهل مكة حين شكوا غلاء الزبيب:
“أرخصوه بالتمر”،
أي غيّروا نمط استهلاككم، واستبدلوا الغالي بالمتوفر الرخيص، فيقلّ الطلب، ويعود السعر إلى طبيعته… وإن لم يرخص، فالبديل خير.
إنها قاعدة اقتصادية بسيطة لكنها عظيمة الأثر:
العرض والطلب بيد المجتمع، لا السوق وحده.
فمتى ما وعى المستهلك، وتحرر من الاندفاع واللهاث خلف كل غالٍ، عاد التوازن للأسعار.
لا تشترِ كل ما يُعرض… بل اشترِ ما يستحق.



