أواخر الأيّام

لليوم الأخير طعمٌ لا يشبه سائر الأيام.
كتبه لصحيفة بصمة اون لاين
أ – محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي
ليس لأنه أطول زمنًا، ولا لأنه أثقل حدثًا، بل لأنه يقف دائمًا عند الحدّ الفاصل بين عالمين: عالمٍ ينتهي، وعالمٍ يبدأ. وكأن الإنسان، حين يقترب من اليوم الأخير، لا يشعر بانقضاء الزمن فقط، بل يشعر باقترابه من العتبة التي تغيّر موقعه في الزمن نفسه.
ولهذا يفرح الناس باليوم الأخير أحيانًا، لا لأنه آخر الأيام، بل لأنه آخر العناء. فالإنسان لا يفرح بالنهايات لذاتها، وإنما يفرح بما ترفعه عنه من ثقل الطريق، وبما تفتحه له بعدها من أفقٍ جديد.
فاليوم الأخير من دوام الأسبوع ليس مجرد انتهاء عمل، بل هو عودة الروح إلى اتساعها بعد ضيقها.
واليوم الأخير من العام الدراسي ليس نهاية دروسٍ محفوظة، بل نهاية طورٍ من أطوار العمر، وفرحٌ بما صار جزءًا من الإنسان بعد أن كان جزءًا من أيامه.
واليوم الأخير من دورةٍ طويلة ليس انتهاء جهدٍ فحسب، بل لحظة رجوع الإنسان إلى نفسه بعد أن كان موزّعًا بين المهام.
واليوم الأخير من رمضان ليس آخر يومٍ في الشهر، بل آخر يومٍ في زمنٍ كانت الروح فيه أقرب إلى صفائها، وفرحٌ بعيدٍ يجيء بعد جهدٍ امتدّ شهرًا كاملًا، كأن النهاية فيه ليست ختامًا للعبادة، بل إشعارٌ بقبولها.
لكن اليوم الأخير نفسه قد يتحوّل إلى أثقل الأيام.
لأن النهاية ليست دائمًا خروجًا من الضيق، بل قد تكون خروجًا من السعة.
فاليوم الأخير من الإجازة ليس نهاية راحةٍ فحسب، بل بداية استدعاءٍ خفيٍّ للواجب، وعودةٍ هادئةٍ إلى إيقاع العمل من جديد.
واليوم الأخير من عطلة الأسبوع يمرّ سريعًا ليذكّر الإنسان بأن الزمن لا يقف عند أحد، بل يمضي في دورته التي لا تتوقف.
واليوم الأخير من الإجازة الصيفية ليس مجرد تغيّر زمنٍ بعينه، بل تذكيرٌ بأن الحياة تسير في نهرٍ زمنيٍّ لا يتوقف.
واليوم الأخير من رحلةٍ جميلة ليس آخر لحظاتها، بل أول لحظات الفقد بعدها.
وهكذا يتبيّن أن الإنسان لا يعيش الأيام الأخيرة بوصفها أيامًا، بل يعيشها بوصفها انتقالات.
فالنهاية في حقيقتها ليست حدثًا يقع في الزمن، بل هي نقطة يتحوّل عندها الإنسان من حالٍ إلى حال، ومن معنى إلى معنى، ومن قربٍ إلى بعد، ومن بعدٍ إلى قرب.
لكن بين جميع هذه النهايات يبقى هناك يومٌ أخير لا يشبهها جميعًا.
يومٌ لا يغيّر مرحلةً من مراحل الحياة، بل يغيّر موقع الإنسان من الحياة نفسها.
إنه اليوم الأخير من حياة الإنسان.
ذلك اليوم الذي لا يكرهه الإنسان لأنه نهاية زمنٍ جميل، ولا يخشاه لأنه بداية تعبٍ جديد، بل يخشاه لأنه نهاية الموقع الذي كان يقف فيه داخل العالم. فالأيام الأخيرة الأخرى تنقل الإنسان داخل الحياة، أمّا هذا اليوم فينقله خارجها.
ولهذا كان هذا اليوم مختلفًا عن جميع ما سبقه من النهايات؛ لأنه ليس حدًّا بين مرحلتين من الزمن، بل حدٌّ بين زمنين مختلفين في طبيعتهما: عمرٌ ولّى، وزمنٌ مقبل.
ولعلّ سرّ رهبة الإنسان من هذا اليوم أنه يشعر – ولو في أعماقه – أن النهاية فيه ليست انقطاعًا، بل كشف. كشفٌ لمعنى الطريق الذي سار فيه، لا لطوله. وكشفٌ لوزن العمر الذي عاشه، لا لعدده. وكشفٌ لموقعه من الحقيقة التي كان يمرّ بجوارها كل يوم دون أن يلتفت إليها.
فالإنسان في الأيام الأخيرة الصغيرة يودّع أشياءه، لكنه في اليوم الأخير الكبير يودّع صورته عن حياته كما كان يعرفها. وهنا يصبح اليوم الأخير ليس نهاية الحياة فقط، بل بداية السؤال الحقيقي عنها.
ولذلك فإن الحكمة الخفية في الأيام الأخيرة كلّها أنها كانت تدريبًا صامتًا على هذا اليوم الأخير الأكبر؛ فكل نهايةٍ مرّت بالإنسان كانت تهيّئه – دون أن يشعر – لفهم معنى النهاية الكبرى حين تحضر.
وعندها يدرك الإنسان أن السؤال لم يكن يومًا:
هل نحب اليوم الأخير أم نكرهه؟
بل كان السؤال دائمًا:
أيُّ معنى كنّا نصنع لأيامنا… قبل أن تصبح كلُّها يومًا أخيرًا واحدًا.
- الأمير ناصر بن جلوي يستقبل رئيس جامعة جازان ووفد الجامعة المشارك في معرض جنيف الدولي للاختراعات 2026
- العربة
- أواخر الأيّام
- السفينة بلا قبطان… بين المصير والمجهول
- نائب أمير جازان يستقبل أمين المنطقة ويطّلع على مبادرات الأمانة



