آداب

الجـنادرية… حين حلق التراث فوق سماء الوطن

كتب حمد دقدقي

في هذه اللقطة الجوية القديمة، وقف المهرجان الوطني للتراث والثقافة في الجنادرية شامخاً على أطراف الرياض، كأنه صفحة مفتوحة من كتاب الوطن، تُقلّبها الريح فيحضر الماضي بكل هيبته، وتلوّح الذاكرة بأعلامها في سماء المكان.

من أعلى، تبدو الجنادرية مدينةً من طينٍ وحنين؛ أسوارها تحتضن الحكايات، وأبراجها الطينية تحرس تفاصيل العمر البسيط، فيما الساحات تموج بالزوار كمدٍّ بشريٍّ جاء يبايع الجذور ويصافح التاريخ. السيارات مصطفّة على مدّ البصر، كأنها شهود عصرٍ أدرك أن للتراث موعداً لا يُفوّت، وأن للهوية احتفالاً لا يغيب.

في قلب المشهد، تتوزع الأجنحة المناطقية كقلائد من تنوّعٍ سعوديٍّ باذخ؛ هنا لهجة الجنوب تبتسم، وهناك عبق نجد يتعالى، وفي زاوية أخرى تنبض أنغام الشمال والشرق والغرب. أصوات العرضة تختلط بدقات الطبول، ورائحة القهوة العربية تتسلل من بين البيوت الطينية، كأنها رسالة دفءٍ من الآباء إلى الأبناء: تمسّكوا بما كان، ليبقى ما سيكون.

المسرح المفتوح في طرف الصورة لا يبدو مجرد بناءٍ إسمنتي، بل منبر ذاكرة؛ اعتلاه الشعراء، ووقف عليه المفكرون، وتلاقحت فوق خشبته القصائد مع الرؤى. وعلى أطراف الساحات، تنحني الحِرف أمام الضوء؛ سدوٌ يُنسج بصبر الجدّات، وخشبٌ يُنحت بحكمة الأجداد، وفخارٌ يتشكّل كما تشكّلت الحكاية الأولى في هذه الأرض.

الدوّار الأخضر في المقدمة، بانتظامه الهندسي، يشبه بوصلةً تشير إلى مركز الانتماء؛ طرقٌ تتقاطع لكنها تلتقي جميعاً عند معنى واحد: الوطن. ومن حوله تمتدّ الرمال، شاهدةً على تحوّل الصحراء إلى منصّة ثقافة، وعلى قدرة الإنسان السعودي أن يصنع من البساطة مشروع حضارة.

لم يكن المهرجان مجرد فعالية موسمية، بل كان وعداً متجدداً بأن التراث ليس ماضياً يُعرض، بل روحاً تُعاش. في هذه الصورة، لا نرى مباني فقط، بل نرى جيلاً يسلّم الراية لجيل، ونرى وطنًا يكتب تاريخه بيده، ويحتفل به في العلن، بثقةٍ واعتزاز.

هكذا بدت الجنادرية في تلك السنوات: عرساً وطنياً تتعانق فيه الأرض والإنسان، وتُرفع فيه راية الثقافة عالية، لتقول إن الهوية السعودية ليست ذكرى، بل نبضٌ مستمر… وحكايةٌ لا تنتهي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى