مقالات

الحريد … عندما يكتب البحر قصيدته على شواطئ فرسان

بقلم – حمد دقدقي – صحيفة بصمة اون لاين

في صباحٍ تتوشّح فيه الذاكرة بملح البحر، وتنهض فيه الأرواح على إيقاع الموج، تستعد جزر فرسان لاستقبال أحد أكثر مواسمها دهشةً وخصوصية… مهرجان الحريد، الذي ينطلق غد الخميس التاسع من أبريل 2026، حاملاً معه إرثًا إنسانيًا ضاربًا في عمق التاريخ، ومشهدًا طبيعيًا لا يتكرر إلا مرة واحدة كل عام.

الحريد… ليس مجرد أسماكٍ تعبر المياه، بل حكايةٌ يكتبها البحر بلغةٍ شفافة، لا يجيد قراءتها إلا من عاش تفاصيلها، أو انتظرها بشغف. من أعماق المحيط، تشقّ أسرابه طريقها في رحلةٍ غامضة، كأنها تحفظ موعدها جيدًا، وكأن بين البحر وفرسان عهدًا لا يُخلف.

ومع اكتمال القمر، تبدأ ملامح الحكاية بالظهور… يهدأ الشاطئ قليلًا، كأنّه يُنصت، ثم يهمس. تتجه الأنظار نحو الأفق، حيث يقف الأهالي كبارًا وصغارًا، لا يحملون أدواتٍ معقّدة، بل يحملون إرثًا من الحِسّ والمعرفة، توارثوه جيلًا بعد جيل. يقرأون حركة الموج، يستدلّون بنسيم البحر، ويصغون لنداءٍ داخلي لا يُخطئ.

وحين تقترب اللحظة… ينقلب الانتظار إلى احتفال، وتتحول الشواطئ إلى مسرحٍ مفتوح للحياة. تتعالى الأهازيج، تتراقص النيران على الرمال، وتمخر القوارب صفحة الماء، حاملةً ذاكرة الأجداد وروح المكان. هناك، لا يكون المشهد مجرد حدث، بل لوحة نابضة، تتداخل فيها الطبيعة مع الإنسان في تناغمٍ نادر.

ويُعد مهرجان الحريد واحدًا من أبرز المواسم التي يعتز بها أهالي فرسان، حيث يخرج الجميع لاستقباله في مشهدٍ جماعي يعكس عمق الترابط الاجتماعي، ويجسّد الفرح الفطري الذي تمنحه الطبيعة حين تُهدي أسرارها لمن ينتظرها بصبر.

وإذا كانت بعض دول العالم تحتفي بمواسمها الخاصة، كموسم الروبيان في الخليج أو مواسم الطيور المهاجرة في أوروبا، فإن الحريد يظل حالةً استثنائية، ليس فقط في طقوسه، بل في روحه… في تلك العلاقة العميقة بين الإنسان والبحر، حيث يصبح الانتظار عبادة، والدهشة مكافأة.

في فرسان… لا يأتي الحريد وحده، بل تأتي معه الحكايات، وتعود معه الأرواح إلى بساطتها الأولى. هنا، كل موجةٍ قصيدة، وكل نسمةٍ ذاكرة، وكل عامٍ يولد من جديد على وعد البحر… ووفاء الإنسان.

الحريد … عندما يكتب البحر قصيدته على شواطئ فرسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى