مقالات

الشهيد في ذاكرة فيفاء

بقلم أ: عيسى بن سليمان الفيفي

رحل عن فيفاء، ورحل عن قلوبنا، رجلٌ من خيرة رجالها وأحد أعلامها ‏الأخيار في ميدان التعليم، المربي الفاضل، الأستاذ الخلوق محمد بن جابر ‏بن حسن الداثري الفيفي رحمه الله تعالى‎.‎

كان الفقيد معلمًا لمادة اللغة العربية التي أحبها وارتبط بها قلبًا وروحًا، ‏فكان يقرِّب قواعدها، ويبسِّط دقائقها، ويطوِّع كلماتها لطلابه حتى ‏يفهموها. ‏

يرفد دروسه باستشهاداته الشعرية والنثرية، وينثر عليهم من درره وعلمه ‏في قاعة الصف، ليُخرِّج أجيالًا تعتز بدينها ووطنها، وتفتخر بلغتها ‏العربية وهويتها الثقافية. ‏

لقد غرس في نفوس طلابه بذور العلم، وسقاها بالمتابعة الدائمة، وكان ‏لهم قدوة صالحة يتحلَّى بمكارم الأخلاق، وجعلهم وقفًا له في حياته ‏ليجني غراسَ وقفه بعد رحيله‎.‎

رحل كما يرحل الكرام، بهدوء الموقنين، في ليلة مطيرة ضبابية كأنها ‏غشَّت المشهد برداء الحزن، فبكت السماء قبل أن تبكي العُيون، وأرخى ‏الغيم ستوره ليُخفي لحظة الرحيل الموجع‎.‎

في تلك الليلة، انحدرت مركبته إلى وادٍ تجتمع فيه سيول الجبال، فحمل ‏السيل جسده الطاهر كما يحمل الزمن أعزَّ الناس إلى مثواهم الأخير، ‏حتى أوصله إلى وادٍ بعيد ليُكتب له قدره المحتوم، ولتكون هناك خاتمة ‏الرحلة، غريقًا شهيدًا، وما كان ذلك إلا بتقدير الله تعالى وتدبيره، فقد ‏حمله السيل وقرَّبه من الجامع لتُقام عليه الصلاة فيه‎.‎

غير أن رحيله لم يكن خفيًا ولا صامتًا؛ فقد شاء الله تعالى أن يكون موتُه ‏سببًا لاجتماع الناس عليه، فازدحمت الصفوف في جامع أبي بكر الصديق ‏بالعيدابي للصلاة على جنازته، وانتشر خبره في الآفاق، وارتفعت الأكف ‏بالدعاء له، وتسابقت القلوب للتصدُّق عنه، حتى امتلأت حسابات ‏الخير بتبرعات سخية في ساعات قليلة. ‏

وما ذلك إلا من بشائر الرحمة وأمارات القبول التي تُرجى لمن صدق في ‏حياته وعمله، فاجتمع له موتٌ في طاعة، وبرٌّ بوالدته، وجموعٌ غفيرة ‏تصلي عليه، ودعوات صادقة وصدقات جارية‎.‎

لقد كان الفقيد مثالًا نادرًا في البرِّ بوالدته، عرفه القريب والبعيد بارًّا ‏عطوفًا عليها، وكان خروجه تلك الليلة العاصفة للاطمئنان عليها، فقاده ‏برّه إلى قدره، وهنا تتجلَّى عظمة المشهد ابنٌ خرج برًّا بأمه، فعاد محمولًا ‏إلى ربِّه، بقدر الله تعالى، تاركًا في قلبها المكلوم دعواتٌ لا تنقطع، ودعوة ‏الأم لابنها مستجابة، فنسأل الله أن يجعل دعاءها له رحمة ورفعة في ‏عليين‎.‎

وقد جمعني بالفقيد حديث طويل في آخر ليلة من رمضان عام 1446هـ، ‏حين تفضَّل عليَّ بتصويب معلومةٍ مهمة في كتابي (معجم المؤلفين في ‏فيفاء)، وأشاد به، وأفادني بإضافة نافعة عن أحد زملائه المذكورين في ‏الكتاب. ‏

وكان يتابع كل جديد، وكان آخر تواصل لي معه يوم 4 / 11 / ‏‏1446هـ، إذ زودني بمعلوماتٍ كنت أبحث عنها، ووعدته بزيارة أقدِّم ‏له فيها إهداءً من كتابي (اللغة العربية في الشعر العربي) و(المعلم في الشعر ‏العربي). ‏

ولم يدُر في خَلدي أن تلك الكلمات ستكون آخر العهد به، وكأنها رسالة ‏وداعٍ يتركها المخلصون في سطور العلم والذكر قبل أن يترجَّلُوا عن ‏الدنيا‎.‎

عزاؤنا في الفقيد إلى أبنائه وأهله وإخوانه وذويه ومحبيه وطلابه، -رحمه الله- ‏رحمة واسعة، وجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأبدله دارًا خيرًا من ‏داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وأسكنه الفردوس الأعلى مع الشهداء ‏والصالحين‎.‎

وكما قال الشاعر د. عبدالرحمن الفيفي‎:‎

لا تبحثوا عنه في عَيبانَ ما نَزَلا 

ولْتسألوا جَنَّةَ الفردوسِ كيفَ عَلا

لقد غاب الجسد، لكن الأثر باقٍ خالد، والدعاء متصل لا ينقطع، حتى ‏يجمعنا الله به في مستقر رحمته حيث لا حزن ولا فراق‎.‎

بقلم الأستاذ:
عيسى بن سليمان الفيفي
‏الجمعة : 6 / 3 / 1447هـ

الشهيد في ذاكرة فيفاء

تعليق واحد

  1. جزاك الله خيرا يا صديقي واخي الأستاذ عيسى
    ورحم الله اخاً وسندا وأباً وتقبله مع الشهداء والهمنا الله الصبر والسلوان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى