
السير الحثيث.. لمرضاة المجيب المغيث (2)
المطلب الثاني : مفهوم العبادة في الإسلام
العبادة في الإسلام لها مفهوم واسع وشامل لكل مناحي الحياة ، ومراحل العمر ، ولحظات الزمن ، ليلاً ونهاراً ، سراًّ وجهاراً ، يقظةً ومناماً.. كما قال تعالى:
(( قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ (١٦٣) قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيۡء وَلَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٍ إِلَّا عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَة وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ )) [سورة الأنعام].
فالله عزوجل يأمر النبي صلى الله عليه وسلم ” أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه ، أنه مخالف لهم في ذلك ، فإن صلاته لله ونسكه على اسمه وحده لا شريك له… فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها ، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه ، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى ” ([1]).
والرسول صلى الله عليه وسلم هو أول المسلمين من هذه الأمة كما قال قتادة رحمه الله.. وإلا فكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جاؤوا بالإسلام ودعوا أقوامهم إليه ، وأصله تحقيق العبودية وإخلاصها لله وحده. ([2]) ، فجميع الرسل دعوا إلى تحقيق العبودية لله تعالى ، وإخلاص الدين له وحده ، وإن اختلفت شرائعهم فيما يتعلق بالأحكام والمعاملات ، والحلال والحرام.
والعبادة تكريم وتوفيق من الله تعالى يصطفي لها من يشاء من عباده ؛ ليكون عبداً تقياًّ نقياًّ ، ولياًّ عابداً زكياًّ..
والعبادة تتضمن التذلل لله عزو جل ، والمحبة والتعظيم له ﷻ وتقدست أسماؤه ، فلا بد أن ” تَتَضَمَّن غَايَة الذل لله بغاية الْمحبَّة لَهُ “ ([3]) .
ولهذا يقول العلماء : إن للعبادة معنيان:
الأول: التعبد لله بفعل أوامره ، واجتناب نواهيه ، محبة وتعظيماً له ، وخوفاً من عقابه ، ورجاءً لثوابه.
الثاني: هو الفعل المتعبد به ، مثال ذلك : الصلاة ، ففعلها عبادة ، وهو التعبد.
ونفس الصلاة عبادة ، وهي المتعبد به ([4]) .
وقد عرَّف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى العبادة بالمعنى الثاني فقال: “هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. فالصلاة ، والزكاة ، والصيام ، والحج ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وبر الوالدين ، وصلة الأرحام ، والوفاء بالعهود ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد للكفار والمنافقين ، والإحسان للجار ، واليتيم ، والمسكين ، وابن السبيل ، والمملوك من الآدميين والبهائم ، والدعاء والذكر والقراءة ، وأمثال ذلك من العبادة .
وكذلك حب الله ورسوله ، وخشية الله والإنابة إليه ، وإخلاص الدين له ، والصبر لحكمه ، والشكر لنعمه ، والرضا بقضائه ، والتوكل عليه والرجاء لرحمته ، والخوف من عذابه ، وأمثال ذلك هي من العبادة لله ([5]) .والعبادة هي أول أمر أوجبه الله على العباد كافّة ، فقال تعالى في أول أمر أنزله في كتابه المبين :
(( يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ(21) ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقاً لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ )). [سورة البقرة].
وهذا الأمر العظيم من الرب الكريم قد أبلغه جميع الرسل لأممهم ، ودعوهم إلى تحقيق العبودية الخالصة لله تعالى ، وأكّدوا عليهم في ذلك وأبدأوا وأعادوا فيه ، واستغرقوا أعمارهم في الدعوة إليه.
فالعبودية لله هي لبُّ الرسالات السماوية ومقصدها ، وهي سبيل النجاة ومسلكها ، وهي غاية وجود الثقلين وسرّها ، فلا نجاة إلا بتحقيقها ، ولا يقبل الله من عامل عملاً إلا بإخلاصها وتجريدها لله وحده جلّ في علاه.
فنوح دعا قومه إلى تحقيق العبودية لله تعالى ، وإبراهيم هي ملَّته التي اصطفاه الله بها ، وأثنى عليه بإخلاصها لله وحده ، ومحمد صلى الله عليه وسلم هي رسالته التي ختم الله بها دعوة كل الأنبياء قبله ، يقول الله تعالى عن نوح عليه السلام :
(( لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيم )) [سورة الأعراف ، 59] ، وقال تعالى:
(( وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ )) [ سورة المؤمنون ، 23].
وقال تعالى عن كل الرسل والأمم من بعد نوح عليه السلام :
(( ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ (٣١) فَأَرۡسَلۡنَا فِيهِمۡ رَسُولا مِّنۡهُمۡ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ )). [ سورة المؤمنون].
وقال تعالى عن كل الأمم التي سبقت أمة محمد صلى الله عليه وسلم:
(( وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ…)) [سورة النحل ، 36].
وختم رسالة بمحمد صلى الله عليه وسلم ببيان أنه لا نجاة من عذاب الله يوم لقائه إلا بالعبادة الخالصة لله تعالى ، والعمل الصالح الذي يبتغي به العابد وجه الله جلَّ في علاه ، فقال تعالى:
(( قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَر مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰه وَٰحِد فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلاً صَٰلِحاً وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢاً )) [سورة الكهف ، 110] .
وقد أخبر الله تعالى أنه أنزل الكتاب بالحق لتحقيق العبودية له وحده دون سواه ، وأمر بذلك خاتم أنبيائه وسيّد رسله محمد صلى الله عليه وسلم ، وبيَّن ضلال الذين يشركون في عبادة الله أحداً غيره ، ووصفهم بالكذب في دعواهم ، وبالكفر في أفعالهم وأقوالهم ، فقال تعالى:
(( تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ (١) إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِب كَفَّار (٣) لَّوۡ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لَّٱصۡطَفَىٰ مِمَّا يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ (٤) خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۖ يُكَوِّرُ ٱلَّيۡلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيۡلِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّ يَجۡرِي لِأَجَل مُّسَمًّىۗ أَلَا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّٰرُ (٥) خَلَقَكُم مِّن نَّفۡس وَٰحِدَة ثُمَّ جَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰج يَخۡلُقُكُمۡ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ خَلۡقاً مِّنۢ بَعۡدِ خَلۡقٍ فِي ظُلُمَٰتٍ ثَلَٰث ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ (6) إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَة وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ )) [سورة الزمر].
فالله ﷻ لا يرضى لعباده الكفر والشرك ؛ وإنما يرضى لهم الدين الخالص ، والعبادة المتضمنة حبَّه ، وشكره ، وتعظيمه ، والثناء عليه بما هو أهله ، فهو خالق كل شيء ، ومالك كل شيء ، ومدبِّر كل شيء ، والقادر على كل شيء ، والمحيط بكل شيء ، ﷻ وتقدست أسماؤهم ، لا يُحصي العباد الثناء عليه ، هو كما أثنى على نفسه العليَّة سبحانه وتعالى .
كما أنكر الله عز وجل على المشركين الذين يدعون غير الله ويعبدون غيره من المخلوقات الضعيفة التي لا تملك نفعاً ولا ضراًّ ، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً .. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجادلهم بالدليل والبرهان على أن العبادة لا يستحقها إلا الله وحده لا شريك له ، وأنه لو وُجد أكثر من إله لفسدت السموات والأرض! ، ولَـخْتَلَّ نظام الكون كله!.. ومن أكبر الأدلة على وجوب عبادة الله وحده دون سواه أن ذلك هو ما أتت به كل الرسل والشرائع منذ خلق الله الخلق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، قال تعالى:
(( أَمِ ٱتَّخَذُوٓاْ ءَالِهَةً مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ هُمۡ يُنشِرُونَ (٢١) لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ (٢٣) أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ هَٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِيَ وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِيۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ (٢٤) وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ )) [سورة الأنبياء].
فحقيقة الإسلام هي تحقيق العبودية لله تعالى ، وذلك بالاستسلام لله بالتوحيد ، والانقياد له بالطاعة ، والبراءة من الشرك وأهله ، وهذا هو المعنى العام للإسلام ، وهو ما بعث الله به جميع الرسل وأمرهم بالدعوة إليه.
وأما المعنى الخاص للإسلام فهو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عقيدة وشريعة ، وأحكام وسلوك.
فالمعنى العام ” يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من أنبياء الله الذي بعث فيهم ، فيكونون مسلمين ، حنفاء على ملة إبراهيم بعبادتهم لله وحده واتباعهم لشريعة من بعثه الله فيهم…” ([6]) ، ولما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم جعله خاتم الأنبياء ، وختم بشريعته الشرائع ، وأوجب على الثقلين الإيمان بها ، فلا يُعبد الله بغير الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، فهو الدين الذي ارتضاه الله عز وجل وأكمله ، وأتمَّ به النعمة على من ابتعه وآمن به. كما قال تعالى:
(( ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِيناًۚ… )) [ سورة المائدة ، 3] .
فالعبادة تشمل الإسلام كله ، ولها مراتب ثلاث :
المرتبة الأولى: الإسلام وهو أشمل المراتب ، وأوسعها ، وأركانه خمسة : الشهادتان ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت الحرام.
المرتبة الثانية: الإيمان ، وهو مرتبة أعلى وأخص ، وأركانه ستة هي : الإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله، واليوم الآخر ، والإيمان بالقدر خيره وشرّه ، ولا بد أن يأتي العبد بأركان الإيمان كلها ، ومن لم يأتي بركن واحد منها فليس بمؤمن .
المرتبة الثالثة :فهي الإحسان ، وهو ركن واحد ، وهو أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. فالعابد يرتفع بالإحسان إلى مرتبة المراقبة ، أو المشاهدة ، والمشاهدة مرتبة أعلى من المراقبة.
وخلاصة القول :أن العبادة في الإسلام لها مفهوم واسع جداً ، فكل ما يفعله الإنسان بنية خالصة لله ، وقصد حسن يكون عبادة يؤجر عليها المؤمن ، سواءً كان الفعل أو القول عبادة مشروعة ، أو كان من المباحات أو العادات ، فبالنية الخالصة لله ، والقصد الحسن تتحول العادات إلى عبادات يؤجر عليها فاعلوها.
بل من عظيم رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين أن جعل لهم في مآكلهم ومشاربهم ، وملذاتهم وشهواتهم أجوراً عظيمة إن تمتعوا بذلك وفق منهج الإسلام وأوامره ونواهيه التي نظمت كل شؤون الحياة في الكبير والصغير ، والعظيم والحقير. فالحمد لله على جزيل فضله ، وكريم عطائه. فالمسلم يأكل الأكلة ، أو يشرب الشربة فيحمد الله على ذلك ، فيأجره الله على ذلك. والمسلم يستمتع بزوجته ، ويتلذذ بتقبيلها فيؤجران على ذلك !.
والمسلم يصرف على زوجته وأبنائه فيؤجر على ذلك أجراً عظيماً ! ؛ لأن الإنفاق على الأهل من أفضل الأعمال أجراً إن كان باقتصاد ومن حلال ، واحتسب الأجر في ذلك. بل مشاعر الحب لإخوانك المسلمين ، والاهتمام بقضاياهم من العبادات التي تكسبك الأجر العظيم من الله تعالى. وكذلك نيامك وقيامك ، وحديثك وكلامك ، وعلاقاتك وزياراتك ، وإقامتك وارتحالك في أرض الله الواسعة ،وإحسانك إلى الناس ، وكف الأذى عنهم ، ونصحك لهم ، ورحمتك وشفقتك على الضعفاء والفقراء والمساكين ، بل وإحسانك إلى البهائم والعجماوات ، كل ذلك وغيره مما أحسنتَ فيه النية ، وابتغيتَ فيه الأجر من الله عز وجل فهو مما ستجده في موازين حسناتك يوم تقف بين يدي الكريم الوهَّاب ، الرحيم التوَّاب جلَّ في علاه. بل من رحمة الله ومزيد فضله على عباده أن جعل المصائب والمتاعب ماحية لذنوب المؤمن ، ومكفِّرة لسيئاته ، ورافعة لدراجاته عند الله ﷻ .
فالعبادة هي الطريق الموصل إلى الله عز وجل ، وهي وسيلة الزلفى لديه!.
فمن أراد مرضاة ربه فليحث السير إليه بعبادة خالصة ، وتوجه صادق ، وقلب مخبت منيب.
ومن أراد أن يجيب الله دعاءه ، ويُعطيه سؤله ، فليكن عبداً محباًّ لمولاه ، معظماً لمقام ربه! ، فيجيب الله دعاءه ، ويغيثه إذا استغاثه ، ويُفرِّج كربه وهمومه ، ويوفقه في جميع شؤون حياته ، فإن من أعظم آثار العبادة ما يحقق الله لأوليائه من النصر والفتح والتمكين ، والسعادة الدائمة ، والفرح بفضل الله ، والأنس بالله ﷻ في الحياة الدنيا ، مع ما يدَّخر الله لهم من الأجور العظيمة ، ورفعة الدرجات في الآخرة.
الأحد الموافق 26 محرم 1445هـ.
المراجع:
([1]) تفسير القرآن العظيم ، لابن كثير ، 3/ 381- 382.
([2]) ينظر: المرجع السابق ، 3 / 382.
([3]) كتاب العبودية ، شيخ الإسلام ابن تيمية ، تحقيق : محمد زهير الشاويش ، 1/ 48 ، ط7، المكتب الإسلامي ، بيروت ، 1426هـ – 2005م
([4]) ينظر: القول المفيد على كتاب التوحيد ، محمد بن صالح العثيمين ، 1/ 14- 15 ، ط3، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع ، المملكة العربية السعودية 1419هـ – 1999م.
([5]) كتاب العبودية ، شيخ الإسلام ابن تيمية ، 1/ 44.
([6]) الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان ، بكر أبو زيد ، 55 ، ط1، دار العاصمة ، 1417هـ ، الرياض.




جزاكم الله خيرا
احسنتم وبارك الله جهودكم ونفع بعلمكم نحتاج كثيرا الى مثل هذه الحلقات السلسة والقريبة من القلب
فالعبادة كما ذكرتم هي الطريق الموصل إلى الله عز وجل ، وهي وسيلة الزلفى لديه
جزاك الله خيراً أخي الكريم.. ونسأل الله عز وجل أن يرزقنا الإخلاص والقبول ، وأن يفتح علينا بعون منه وتوفيق.. وإن شاء الله تستمر سلسلة الحلقات.