
في مسيرة الأوطان، تمر أسماء كثيرة في صفحات العمل العام، لكن قلةً منها فقط تنجح في أن تتحول إلى ذاكرة حيّة في وجدان الناس. أسماءٌ لم تكن مجرد عناوين وظيفية أو مناصب إدارية، بل كانت حكايات من الإخلاص والعطاء، صنعت حضورها بالفعل الصادق، وتركت في الأرض أثراً وفي القلوب مكاناً. ومن بين تلك الأسماء التي ارتبطت بتاريخ العمل البلدي والتنمية في منطقة جازان، يبرز اسم المهندس عصام بن سالم بريك، وكيل أمين منطقة جازان السابق، الذي شكّل حضوره المهني والإنساني علامة مضيئة في مسيرة المنطقة.
وُلد المهندس عصام بريك في مدينة جازان عام 1378هـ، ونشأ في أسرة عُرفت بالقيم الأصيلة والالتزام الأخلاقي، فكان ذلك المناخ التربوي حجر الأساس في تكوين شخصيته. منذ سنواته الأولى بدت ملامح الجدية والطموح واضحة عليه، فبدأ رحلته التعليمية في المدرسة الشامية الابتدائية بمدينة جازان، ثم واصل دراسته في المتوسطة الثانية، قبل أن يلتحق بثانوية معاذ بن جبل، التي كان يديرها آنذاك الشيخ حسن بشير، حيث تفتحت ملامح شخصيته العلمية والقيادية، وبدأت أحلامه تتشكل نحو مستقبل يسهم فيه في خدمة وطنه وأبناء منطقته.
ومع اتساع الأفق العلمي، انتقل إلى مدينة جدة ليكمل دراسته الجامعية في جامعة الملك عبدالعزيز، حيث التحق بكلية الهندسة، ليحقق حلمه بالتخصص في الهندسة المدنية، ويتخرج عام 1405هـ حاملاً شهادة الهندسة، وحلماً أكبر يتمثل في أن يكون جزءاً من مسيرة البناء والتنمية في وطنه.
عاد إلى جازان حاملاً علمه وطموحه، وبدأ مسيرته المهنية مهندساً مدنياً في بلدية منطقة جازان، التي كان يرأسها آنذاك المهندس محمد بن أحمد الشنقيطي، ثم المهندس عبدالعزيز الطوب. ومنذ تلك اللحظة، بدأ فصل جديد من فصول العطاء، امتد لسنوات طويلة من العمل المتواصل، كان خلالها أحد الأعمدة الفنية والإدارية في الأمانة.
وخلال تلك المسيرة، تولّى منصب وكيل الأمين، وعمل إلى جانب عدد من الأمناء الذين تعاقبوا على قيادة الأمانة، ومنهم المهندس عبدالله بن محمد القرني والأستاذ محمد بن حمود الشايع، حيث كان شريكاً أساسياً في إدارة العمل البلدي والإشراف على العديد من المشاريع التنموية التي أسهمت في تطوير المنطقة وتعزيز بنيتها التحتية.
وبفضل خبرته الواسعة وإلمامه العميق بأنظمة ولوائح وزارة الشؤون البلدية والقروية، أصبح المهندس عصام بريك أحد أبرز الأسماء المهنية في الأمانة وأكثرها حضوراً وتأثيراً. فقد شارك في نسبة كبيرة من اجتماعات ومؤتمرات الوزارة داخل المملكة وخارجها، وكان مرجعاً مهماً في معرفة مخططات المنطقة ومشاريعها، حتى أصبح اسمه مرتبطاً بتفاصيل التنمية في جازان، وكأنه يقرأ خرائطها كما يقرأ خطوط كفّه.
ولم يكن هذا التميز مجرد أداء وظيفي، بل كان انعكاساً لشخصية مؤمنة بالمسؤولية الوطنية، الأمر الذي أهّله لتمثيل الوزارة في اللجنة العليا لترسيم الحدود في المملكة العربية السعودية، وهو تكليف يعكس حجم الثقة التي حظي بها، والمكانة المهنية التي بلغها.
غير أن ما منح سيرة المهندس عصام بريك عمقها الإنساني لم يكن العمل الإداري وحده، بل تلك الروح الإنسانية التي عرفها الناس عنه. فقد كان مثالاً في التواضع ونقاء السريرة، قريباً من الجميع، لا تفصل بينه وبين الناس حواجز المناصب أو ألقاب الوظيفة. كان بسيطاً في ملبسه، هادئاً في حضوره، واسع القلب في تعامله، يشارك أبناء منطقته أفراحهم وأحزانهم، ويقف إلى جانب المحتاجين بصمتٍ كريم.
وامتدت أعماله الخيرية إلى مجالات متعددة، إذ ساهم في بناء عدد من المساجد داخل المملكة وخارجها، وظلت كثير من تلك المبادرات طي الكتمان حتى بعد وفاته، في صورة نادرة من صور العطاء الخالص الذي لا ينتظر شكراً ولا يسعى إلى الأضواء.
وعلى الرغم من مسؤولياته الكبيرة، ظل قريباً من أسرته، حريصاً على صلة الرحم وبر الوالدة، حتى عُرف عنه أنه لا يخلد إلى النوم إلا بعد الاطمئنان عليها. وكان يرافقها كل عام في شهر جمادى الأولى إلى مكة المكرمة لأداء العمرة، وهي عادة ظل محافظاً عليها قرابة عشرين عاماً، في صورة إنسانية تختصر معنى الوفاء والبر.
كما كان أباً حنوناً لأبنائه الأربعة، يحرص على تربيتهم على القيم والإيمان والعمل، ليكونوا امتداداً لمسيرته في خدمة المجتمع والوطن.
وفي الرابع والعشرين من شهر صفر عام 1435هـ، تلقت منطقة جازان نبأً حزيناً بوفاة المهندس عصام بريك إثر نوبة قلبية مفاجئة أثناء وجوده في مهمة عمل بمدينة جدة. كان الخبر صادماً لأبناء المنطقة، فقد فقدوا رجلاً لم يكن مجرد مسؤول، بل كان أخاً وصديقاً ووجهاً مألوفاً في ذاكرة المكان.
وفي جنازة مهيبة شارك فيها أبناء جازان بمختلف أطيافهم، ودّعت المنطقة أحد أبنائها البررة، في مشهدٍ جسّد عمق المحبة التي حظي بها في قلوب الناس.
رحل الجسد، لكن الأثر بقي. بقي في الطرقات التي شارك في تخطيطها، وفي المشاريع التي أسهم في إنجازها، وفي القلوب التي عرفته إنساناً قبل أن تعرفه مسؤولاً. فبعض الرجال لا يغيبون، لأن حضورهم مكتوب في ذاكرة المكان.
وهكذا تبقى سيرة المهندس عصام بريك صفحة مضيئة في سجل جازان، تروي للأجيال قصة رجلٍ أحب الأرض فخدمها، وأحب الناس فبادلهم الوفاء.
رحم الله عصام بريك، وجعل ما قدمه في موازين حسناته، وأسكنه فسيح جناته.
اللهم اجعل قبره روضةً من رياض الجنة، ونوّر مرقده، وآنس وحشته، واغفر له ولوالدينا ولجميع موتى المسلمين، واجمعنا بهم في مستقر رحمتك في الفردوس الأعلى




