مقالات

العطاء لغة يفهمها القلب قبل الكلمات

د. مصلح البركات – صحيفة بصمة اون لاين

ليس العطاء فعلًا عابرًا يقدّمه الإنسان حين تتوافر لديه الزيادة، بل هو حالة إنسانية عميقة تنبع من روحٍ أدركت أن الحياة لا تُقاس بما نأخذ، بل بما نمنح. فكم من إنسانٍ عاش طويلًا ولم يترك أثرًا، وكم من آخر مرّ مرورًا سريعًا في هذه الدنيا لكنه غرس في القلوب ما لا تقتلعُه السنون.

العطاء في جوهره ليس مالًا يُبذل فحسب، بل هو كلمة تُواسي، ويدٌ تمتد، ووقتٌ يُهدى، وابتسامةٌ تُزرع في وجه الحياة. إنه تلك القدرة الخفية التي تجعل الإنسان يرى في حاجة الآخرين مرآةً لواجبه الإنساني، فيتحرك قلبه قبل أن تتحرك يده. لذلك كان العطاء أوسع من حدود المادة، وأبقى من أثر اللحظة، لأنه يتسلل إلى الأرواح حيث لا تصل الحسابات.

ومن عجيب أمر العطاء أنه لا يُنقص صاحبه، بل يوسّع روحه ويزيد غناه الداخلي. فالمعطي الحقيقي لا يشعر أنه خسر شيئًا، بل يشعر أنه ربح نفسه. ولعل سرّ ذلك أن العطاء يحرر الإنسان من أسر الأنا الضيقة، ويُعيده إلى فطرته الأولى التي خُلق عليها؛ فطرة الرحمة والمشاركة والتكافل.

وفي مجتمعاتنا تبقى قيمة العطاء هي العمود الذي تستند إليه العلاقات الإنسانية، فإذا ضعف العطاء حلّ محله الجفاء، وإذا حضر حضر معه الدفء الاجتماعي والاطمئنان النفسي. فالمجتمع الذي يكثر فيه المعطون مجتمعٌ غنيٌّ ولو قلّت موارده، والمجتمع الذي يشحّ فيه الناس بعطائهم مجتمعٌ فقيرٌ ولو امتلأت خزائنه.

غير أن أسمى صور العطاء هي تلك التي تُقدَّم في صمت، بعيدًا عن ضجيج الإعلان، لأن المعطي حينها لا يطلب تصفيقًا ولا ينتظر ثناءً، بل يكتفي باليقين أن الله يرى ما في قلبه. ذلك العطاء الخفي هو الذي يصنع البركة في الحياة، ويمنح صاحبه طمأنينةً لا تُشترى.

إن العطاء في حقيقته رسالة حياة؛ رسالة تقول إن الإنسان خُلق ليكون جسرًا للخير لا سدًّا يمنعه، وأن أثره الحقيقي لا يُقاس بما جمعه من متاع، بل بما تركه من نور في دروب الآخرين. وحين يفهم الإنسان هذه الحقيقة يدرك أن أجمل ما يمكن أن يملكه في هذه الدنيا قلبٌ يعرف كيف يعطي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى