مناسبات

المملكة.. منارة الإسلام ومفخرة الأوطان

بقلم عيسى بن سليمان الفيفي

اليوم الوطني السعودي 95

كانت دعوة الخليل إبراهيم عليه السلام، وهو يرفع يديه إلى السماء، أن يمنَّ الله تعالى على هذا البلد المبارك بنعمة الأمن قبل نعمة المأكل والمشرب، إذ لا طعم للغذاء، ولا لذَّة للعيش، إن كان الخوف يحيط بالقلب، والوجل يرتعد منه الفؤاد.

فاستجاب الله تعالى دعوة خليله، فجعله وطناً آمناً مطمئناً، تهفو إليه القلوب، وتشتاقُه الأرواح، ويعشقه كل إنسان، كيف لا وهو وطن الحرمين الشريفين، ومهوى الأفئدة، وفي ثراه يرقُد خير البشر ﷺ، ومن جنباته شعَّت أنوار الرسالة، وإليه تهوي قوافل الحجاج والمعتمرين كل عام لأداء هذا الفريضة العظيمة.

إنه الوطن الذي خصَّه الله بنعمة الأمن والاطمئنان، بينما تتساقط الأوطان من حوله، وتهوي دولٌ على مرأى ومسمع العالم، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾. [العنكبوت: 67].

بلادٌ قامت منذ نشأتها الأولى على يد الإمام محمد بن سعود، ومعه الإمام محمد بن عبدالوهاب –رحمة الله عليها– على أساس العقيدة الصحيحة وتحكيم شرع الله تعالى.

ثم جاء المؤسس الملك عبدالعزيز –رحمه الله – فوحَّد شتات الجزيرة، وأرسى قواعد الدولة الحديثة على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، ووحد صفها، وجمع قبائلها تحت راية الوطن، فكانت دولته دستورها الوحي، وعمادها الشرع، وحصنها السيف في وجه المعتدين.

لقد سطَّر المؤسس ورجاله وأبناؤه الملاحم البطولية في التاريخ، ففتح الرياض، واستعاد المصمك رمز الحكم السعودي العريق، وطهَّر مكة المكرمة والمدينة المنورة من وطأة الظلم، وجمع القبائل المتفرقة على كلمة التوحيد، وأمَّن طرق الحج والحجاج، حتى غدت المملكة قلعةً منيعةً، وتاريخاً ناصعاً، حافلاً بالمجد والبطولات، وتوحيد الكلمة والصف، ولله الحمد والمنة، على هذه النعمة.

وكيف يحصي المرء نعم الله على هذا الوطن وهو القائل: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾.

إنه وطن الإسلام والسلام، وطن التوحيد والمسلمين، وطن القيادة الرشيدة التي ما فتئت تخدم الشرع الشريف، وتذودُ عن حياض الأمة، وتوحِّد الكلمة، وتدعم قضايا المسلمين شرقاً وغرباً، وتسعى جاهدةً إلى رأب الصدع الدولي وتعزيز الاستقرار العالمي.

وطنٌ لا يليق به إلا التضحية والفداء، ليبقى شامخاً عزيزاً، كما كان دوماً، وكما سيكون أبداً.

وطنٌ نحتفي به وفاءً وولاءً كل عام في يوم الوفاء، فنجدِّد العهد والولاء، ونرفع الرايات، ونعلن الفخر بمنجزاته.

وطنٌ هو الماضي والحاضر والمستقبل، وطن الأمن والكرامة، وطنٌ لا تلين عزيمته ولا تنحني رايته، بفضل الله تعالى، ثم بفضل قادته الأقوياء ورجاله الأوفياء.

وطنٌ سخَّر خيراته لشعبه، وهيَّأ لهم سبل العيش الرغيد، رغم أنوف الحاقدين والحاسدين، الذين تكسَّرت سهامهم على صخرة أمنه ورجال أمنه البواسل.

فحقٌّ علينا أن نكون له جنوداً أوفياء، كلٌّ في ميدانه، الشرطي يحرس الأمن، والمعلم يغرس في النفوس حب الوطن، والخطيب يوجِّه بالحكمة، والمجاهد يدافع بالسلاح، والكاتب يذود بالقلم، والإعلامي يوثق البطولات بالصوت والصورة.

الكلُّ على ثغرٍ من ثغور الوطن، لا يهنأ له عيشٌ إلا بخدمة دينه وحماية وطنه، ولا ينجر وراء دعواتٍ هدَّامة، ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.

قال أحد السلف: “لو علمت أن لي دعوةً مجابة لجعلتها للسلطان”، فقيل له: لمَ؟ قال: “لأن بصلاحه صلاح العباد والبلاد”.

إن الشهداء الذين ارتقوا دفاعاً عن الدين والوطن هم أصدق دليل على الوفاء، بذلوا أرواحهم رخيصة، ففازوا بالشهادة، ونالوا وسام الكرامة، وصدق فيهم قول الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. [الأحزاب: 23].

والمملكة اليوم ليست وجهة دينية فقط، بل هي أيضاً وجهة الحضارة والنهضة والريادة، تستقطبُ العقول، وتستضيف القمم، وتُلهِم العالم برؤيةٍ طموحةٍ تُعيد صياغة المستقبل.

من مكة إلى الرياض، ومن المدينة إلى نيوم، تسير الحضارة بخطى واثقة، وهي من شمالها لجنوبها ومن شرقها لغربها تحمل الماضي المجيد، وتبني الحاضر الزاهر، وتصوغ المستقبل المشرق.

هي وجهة للعالم في دينه، وفي اقتصاده، وفي حضارته، وفي إنسانيته، وفي تطوره، وفي أمنه وأمانه، وفي رؤيته.

فمن قصدها وجد الأمن، ومن جاورها نال الخير، ومن أحبها وجد في قلبه سكينةً وسلاماً.

المملكة وجهة العالم لأنها وجهة القلوب أولاً، ثم وجهة الحياة والنهضة والبناء.

اللهم احفظ وطننا وقيادتنا، وأدم علينا نعمة الأمن والإيمان، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، ووفِّق إمامنا خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين لكل خير، وسدِّد على طريق الخير خطاهم، وأعنهم لما فيه صلاح العباد والبلاد.

فيوم الوطن ليس يوماً عابراً في الذاكرة السعوديين، بل هو نبض قلبٍ، وومضةُ فخرٍ تتجدد في أرواحنا كل عام.

إنه اليوم الذي نستحضر فيه سيرة القادة العظام الذين وحَّدوا الشَّتات، وأرسوا دعائم وطنٍ عزيزٍ يأبى إلَّا أن يكون شامخاً بين الأمم.

في هذا اليوم الوطني يُشع الفخر في القلوب، ويُسطَّر الولاء في كل الدُّروب، ويرفرف العَلم شامخاً، وتعلو الهامات اعتزازاً، وتمتلأ القلوب بالوفاء، وكأنها تردد في صوتٍ واحد، هنا وطنٌ لا يعرف الانكسار، وهنا وطنٌ كلما اشتدت العواصف، ازداد رسوخاً وثباتاً، وزاد أبناؤه قوة والتحماً تحت ظلِّ قيادة عظيمة.

اليوم الوطني هو وعدٌ نردِّده لأرضٍ سقيناها حباً، ولقيادةٍ منحناها ولاءً، ولتاريخٍ نكتُبه بمدادِ العزِّ والانتماء، وحاضرٍ نعيشه بنعمة الأمن والرخاء، ومستقبلٍ نصنعه برؤية الأمل الطموحة.

هو يوم الوفاء لوطن الوفاء، يوم نجدِّد فيه العهد والولاء، لوطنٍ لا نملك أغلى منه تحت أديم السماء.

بقلم
عيسى بن سليمان الفيفي
1 / 4 / 1447هـ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى