
الفراق — على مرارته — ليس نهاية، ولا ينبغي أن يتحوّل إلى قطيعة تُطفئ ما تبقّى من نور الحياة. كثيرًا ما نسمع ونشهد قصصًا لقطيعة غير مبرَّرة يقترفها أحد الزوجين أو كلاهما بعد سنين من المودّة والرحمة. يقفان يومًا تحت سقف واحد جمعهما على السكن والطمأنينة، ثم تعصف بهما رياح الحياة؛ فتُفرَّق الروح وتُشتَّت الأنياب، ويكون الأبناء أول من يسقط تحت ركام الخصومة.
تبدأ القصة بمشاعر جميلة، وتنتهي — للأسف — بغيرة، وكراهية، وتصيّد للأخطاء، واستحضار لمعارك صغيرة تُغرق المركب الكبير. فتُستبدل المودّة بالنكاية، ويعلو صوت الوشاية، وتختفي الحكمة. ويُحرم الأبناء من زيارة آبائهم أو أمهاتهم. فلا يجد الابن يدًا حانية من الأب، ولا حضنًا دافئًا من الأم ليجبر كسر قلبه الصغير، فينشأ الضياع بين بيتين، دون سند حقيقي من أيهما.
وتتفاقم المأساة حين يتحول كلٌّ منهما إلى خصم يحارب الآخر من خلال أبنائه، لا حبًّا فيهم، بل انتقامًا من الطرف الثاني. فيُؤجَّج الأبناء على آبائهم، وتُكرّه الأمهات من آبائهم، فتضيع البراءة بين مشاعر التحريض والتشويه. والمفارقة المؤلمة أن كلا الطرفين يردد قوله تعالى:(إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) يتباهى بتطبيقها، متناسيا ما كان بينهما من سكنى ورحمة قبل أن ينزغ الشيطان بينهما.
ينشأ الأبناء في هذه المعادلة الخاطئة بلا مصدر ثابت للمحبة؛ فلا أبٌ يعطف ولا أمٌّ تحنو. والمحروم من الوصل منهما تحترق كبده على فلذة كبده التي كان يراها حياته وروحه وعقله، وعليهم كان يبني أحلامه وآماله. ثم ينسى الطرفان أن الحياة — بطبعها — ليست صافية ولا كاملة:
طُبعتْ على كدرٍ وأنتَ تُريدها صفوًا من الأقذار والأكدارِ
إنّ الكريم من الوالدين هو من يُنشّئ الأبناء على برّ الآخر، حتى لو افترقت الطرق، وحتى لو تبدلت الظروف. فالأبناء ليسوا ساحة معركة، ولا ينبغي أن تكون قلوبهم ميدانًا للثأر. فلينشأوا في بيئة نقية لا تعكّرها ضغائن النفوس ولا ثارات الكبار، وليكن لهم من الرحمة والحنان ما يعصمهم من الحرمان والضياع. فكم من أبناء صُدموا حين كبروا ووعَوا أن حياتهم كانت نتيجة خصومة لا ذنب لهم فيها، ومعادلة كان طرفاها مخطئين.؟!!
يا ليت الزوجين — متى وصل الفراق — يكملان المودة كما بدآها، فالفراق للمصلحة لا يعني القطيعة، ولا يستوجب قطع الرحم، ولا يمنع الاحترام المتبادل أو التعاون في رعاية الأبناء. فالحمل مشترك، والمسؤولية واحدة، والنفوس الطيبة قادرة على تجاوز الألم من أجل من يستحقون الحياة الآمنة.
وما يدريك؟! لعل الفراق يكون استراحة، لا نهاية. ولعل القلوب تعود بعد زمن، فتلتئم الجراح وتعود السكينة. فكم جمع الله بين شتيتين بعدما ظنّا أن اللقاء مستحيلًا؟!
وقد يجمعِ اللَهُ الشتيتين بعد ما يَظُنّانِ كلَّ الظنِّ ألا تلاقيا



