مقالات

المرأة السر الذي قامت عليه الحضارات

في كل مرة يُقال إن المرأة كائن ضعيف، يبدو التاريخ وكأنه يبتسم ساخرًا؛ فذلك الكائن الذي يُوصَف بالضعف هو نفسه الذي يلد الرجال، ويصنع الأجيال، ويغرس في النفوس القيم التي تقوم عليها الحضارات.

فالمرأة ليست مجرد نصف المجتمع كما تردد العبارة الشائعة، بل هي الأصل الذي يبدأ منه المجتمع، والنبع الذي يتشكل فيه الإنسان قبل أن يمشي في الأرض. فهي اليد التي تهدهد المهد، والعين التي تسهر، والقلب الذي يتسع للأبناء حين تضيق بهم الحياة.


وإذا أردنا أن نعود إلى بداية الحكاية الإنسانية كلها، فسنجد أن المرأة كانت حاضرة منذ اللحظة الأولى لوجود الإنسان على هذه الأرض. فقد خلق الله آدم عليه السلام، ثم خلق منه زوجه حواء لتكون السكن الأول للإنسان، كما قال سبحانه:
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾.


ومنذ تلك اللحظة الأولى لم يكن الإنسان كائنًا منفردًا، بل كان وجوده قائمًا على شراكة إنسانية بين الرجل والمرأة؛ شراكة تقوم على السكن والمودة والرحمة.


ولذلك فإن قصة البشرية نفسها تبدأ بامرأة، وتستمر عبر النساء اللاتي حملن الحياة في أرحامهن، وربين الأجيال في قلوبهن. وكأن الرسالة الأولى التي كتبها القدر في سجل الحياة تقول:
إن المرأة ليست تفصيلًا في قصة الإنسان… بل هي بداية القصة كلها.


وقد جاء الإسلام ليعيد للمرأة مكانتها التي تستحقها، فكرّمها في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ تكريمًا لم تعرفه حضارات كثيرة من قبل. يقول الله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.


ولم يكتف الإسلام بالتكريم النظري، بل رسّخه في السلوك والتشريع، حين قال النبي ﷺ:
«استوصوا بالنساء خيرًا»، وقال حين سُئل: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك»، ثم قال: «أمك»، ثم قال: «أمك»، ثم قال: «أبوك».


فكانت الأم مدرسة الإنسان الأولى، وكان فضلها سابقًا لكل فضل. وقد عبّر الشعراء عن هذه الحقيقة منذ قرون، فقال الشاعر حافظ إبراهيم:
الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتها
أعددتَ شعبًا طيبَ الأعراق


وقال شاعر عربي قديم يصف أثر المرأة في حياة الرجل:
وما الأمُّ إلا روضةٌ إن تعهَّدَتْ
بطيبِ السُّقيا أزهرتْ أيَّما زهرِ


فالمرأة حين تربي طفلًا، لا تصنع فردًا فقط، بل تصنع مستقبل أمة.


ولم يكن دور المرأة في التاريخ مجرد حضور في البيت أو خلف الجدران، بل كان حضورًا في قلب الأحداث. ففي الجاهلية كانت المرأة تشعل الحماسة في قلوب المقاتلين، وتوقظ فيهم معاني الشرف والكرامة، وتحفظ للقبيلة عزتها وهيبتها.


أما في الإسلام فقد سُجِّلت مواقف خالدة لنساء وقفن مع الرسالة والحق. فكانت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها أول من آمن بالنبي ﷺ، فساندته بقلبها ومالها وعقلها في أصعب مراحل الدعوة. وكانت نسيبة بنت كعب في غزوة أحد تقاتل دفاعًا عن النبي ﷺ حتى جُرحت جراحًا كثيرة وهي تذود عنه بسيفها.


وهكذا ظل التاريخ يشهد أن المرأة ليست عنصرًا هامشيًا في المجتمع، بل هي شريك في صناعة اللحظة التاريخية، وصانعة للإنسان الذي يصنع التاريخ.


وفي عصرنا الحديث لم يعد دور المرأة مقتصرًا على محيط الأسرة، بل أصبحت شريكًا فاعلًا في التنمية والاقتصاد والمعرفة. فقد أثبتت المرأة قدرتها على القيادة والإبداع في مجالات العلم والطب والتعليم والإدارة والإعلام.


وفي المملكة العربية السعودية شهدت المرأة مرحلة تحول نوعية في حضورها المجتمعي، ضمن الرؤية الطموحة التي يقودها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حيث أكدت رؤية المملكة 2030 على تمكين المرأة وإتاحة الفرص لها لتكون شريكًا حقيقيًا في مسيرة التنمية الوطنية.


وقد أكد سموه في أكثر من مناسبة أن المرأة السعودية عنصر أساسي في بناء المستقبل، وأن المجتمع المتحضر لا يمكن أن ينهض بنصف طاقته، بل يحتاج إلى مشاركة جميع أبنائه وبناته في صناعة الغد.


ولهذا نرى اليوم المرأة السعودية حاضرة في الجامعات والمستشفيات وميادين العمل ومراكز القيادة، تشارك في بناء الاقتصاد الوطني، وتسهم في صياغة المشهد الثقافي والعلمي، دون أن تتخلى عن دورها الأصيل في بناء الأسرة وتربية الأجيال.


إن المجتمع الذي يكرم المرأة إنما يكرم نفسه؛ لأنه يكرم اليد التي تصنع مستقبله. فالمرأة ليست مجرد نصف المجتمع، بل هي القلب الذي يضخ فيه الحياة.


ولهذا يمكن القول بثقة:
إن المرأة ليست كائنًا ضعيفًا كما يظن البعض…
بل هي الكائن الذي يصنع الرجال، ويصوغ وجدانهم، ثم يتركهم يمضون في العالم وهم يحملون شيئًا من قلبها.

مقالات: الإعلامي حامد الطلحي الهذلي
اليوم العالمي للمرآة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى