مقالات

المسؤولية الفردية… حين يعود كل شيء إلى نفسك

د. مصلح البركات – صحيفة بصمة اون لاين

في زمنٍ تتداخل فيه المسؤوليات وتُلقى التبعات على الآخرين، تأتي تلك المقطوعة القرآنية المهيبة لتعيد ترتيب الوعي من الداخل، وتغرس في النفس حقيقة لا تقبل الجدل: أنك وحدك المسؤول عن ذاتك، وأن كل طريق تسلكه إنما يعود أثره إليك. قال تعالى:”فمن أبصر فلنفسه”، وكأن البصيرة ليست منحة عابرة، بل أمانة شخصية، إن فتحت عينيك على الحق فقد ربحت نفسك، وإن أغمضتهما فقد أطفأت نورك بيدك.

وحين يقول تعالى: “من عمل صالحًا فلنفسه”، فإن الصلاح لا يُهدى هديةً لأحد، ولا يُكتب في صحيفة سواك. الخير الذي تزرعه في الأرض، إنما يثمر في روحك أولاً، ويورق في ميزانك قبل أن ينعكس على غيرك. وكذلك الشكر، قال تعالى: “ومن شكر فإنما يشكر لنفسه”، فالشاكر لا يزيد في ملك الله شيئًا، لكنه يزيد في قلبه سعة، وفي حياته بركة، وفي مصيره نورًا يهديه عند العتمات.


ويمضي المعنى أكثر رسوخًا حين يتكرر الإيقاع ذاته في قوله تعالى:”ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه”، وقوله:”فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه”. كأن الآيات تريد أن تقطع كل ذريعة، وتسد كل باب للتواكل، وتؤكد أن الهداية ليست إرثًا عائليًا، ولا لقبًا اجتماعيًا، بل خيارًا يوميًا يتخذه الإنسان لنفسه. التزكية عمل داخلي شاق، تنظيفٌ للروح من أدران الهوى، وتهذيبٌ للنفس حتى تستقيم، ومن قام به فقد أنقذ نفسه قبل أن ينقذ أحدًا.


وفي المقابل، تأتي الجهة الأخرى من المعادلة بوضوح لا يقل حسمًا فيقول تعالى:”ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه”، ويقول:”ومن يكسب إثمًا فإنما يكسبه على نفسه”. البخل ليس حرمانًا للناس فحسب، بل هو إفقار للنفس من معاني السخاء، وتضييق لآفاقها. والإثم ليس عبئًا اجتماعيًا فقط، بل هو ثقلٌ يُحمل على الكتفين يوم الحساب، حيث لا يستطيع أحد أن يتبرأ من أثر يديه.


هذه الآيات ترسم مبدأ المسؤولية الفردية في أنصع صوره وأقوى عباراته. لا يحمل أحد عن أحد، ولا تُختصر الرحلة بتعلّقٍ بالآخرين. إنها رسالة تحرير للإنسان من وهم الاتكاء، ورسالة تحذير من الاستهانة بالفعل الصغير، فكل حركة محسوبة، وكل نية مكتوبة، وكل عمل مردود على صاحبه.


وحين نستحضر مشهد الآخرة، يزداد المعنى رهبة حيث يقول الله- عزوجل-: ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ﴾، يوم تتساقط كل الأوراق التي كنا نظنها سندًا، فلا جاه يبقى، ولا رصيد ينفع، ولا نسب يقي. ثم يجيء المشهد الأعظم: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فيتحول الجسد نفسه إلى شاهد، وتصبح الأعضاء التي أطاعتها النفس ناطقة بالحق الذي لا يُرد.


إنها دعوة صريحة لأن يعمل الإنسان لنفسه، وأن يجتهد لنجاتها قبل أن يفجأه يوم لا مجال فيه للتدارك.

فالحياة ليست ساحةً لاستعراض الأعذار، بل ميدان لاختيار المصير. وكل خطوة تخطوها اليوم، إنما ترسم بها غدك الأبدي. فاختر لنفسك ما تحب أن تراه حين تنكشف الحقائق، واعمل عمل من يعلم أن كل ما يقدمه أو يؤخره، إنما يعود عليه أولاً وأخيرًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى