المساجد التاريخية في جازان … إرثٌ مجيد يضيء أبو عريش وفرسان

بقلم أ : حمد دقدقي – صحيفة بصمة اون لاين
في الجنوب الذي يتوشّح زرقة البحر الأحمر، وتتعانق جباله مع الغيم في مشهدٍ مهيب، تقف المساجد التاريخية في جازان كأنها نبض الأرض إذا تكلّم، وكأنها ذاكرة الطين والحجر حين تُروى. ليست مجرد مبانٍ عتيقة، بل شواهد نورٍ تحفظ سيرة المكان، وتختزن في جدرانها دعوات الأجداد وخطواتهم الواثقة نحو بيوت الله.
في أبو عريش، المدينة التي عُرفت بالعلم والفقه، يتجلّى مسجد القباب شامخًا بقبابه الثماني عشرة المتلاصقة، منذ شُيّد في الربع الأول من القرن الثالث عشر الهجري (1248هـ). قبابٌ من الجص والآجر، متعانقة كأنها صفوف مصلين في خشوع دائم، تعكس براعة العمارة المحلية وروح البساطة التي لا تخلو من مهابة. هناك، يتسلل الضوء عبر نوافذه الصغيرة، فيرسم على الأرض سجادةً من نور، ويهمس بأن للمكان روحًا لا تشيخ.
وعلى مقربةٍ منه، يقف مسجد العباسة (1262هـ)، بقبابه الثلاث وعمارته الحجرية الصلبة، شاهدًا على حقبةٍ ازدهرت فيها الحركة العلمية والاجتماعية. أما المسجد الأعلى، الذي تعود عمارته إلى القرن الحادي عشر الهجري، فيُعد من أقدم المساجد في المنطقة، محتفظًا بهيبته الأولى، كأن الزمن مرّ بجواره توقيرًا لا عبورًا.
وفي قلب مدينة جازان، يحكي مسجد التابوت قصة تمتد لثلاثة قرون، حيث تظل جدرانه الطينية وأقواسه البسيطة شاهدًا على أجيال تعاقبت، وحياةٍ دارت حول الأذان والقرآن ومجالس الصلح والإصلاح.
أما في فرسان، الجزيرة التي يعانق فيها البحر البيوت المرجانية، فيبرز مسجد النجدي (1347هـ)، الذي بناه تاجر اللؤلؤ إبراهيم التميمي، كتحفةٍ معمارية تفيض بالنقوش والزخارف الإسلامية التي تستحضر روح العمارة الأندلسية. تفاصيله الدقيقة، وأقواسه المنحنية، وزخارفه البديعة، تجعله أشبه بلوحةٍ حجرية نُقشت بالصبر والإيمان.
وقد حظي باهتمامٍ وطني ضمن مشروع تطوير المساجد التاريخية الذي أطلقه سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في خطوةٍ تعكس وعي القيادة بأهمية صون الذاكرة العمرانية للمملكة.
هذه المساجد ليست أثرًا صامتًا، بل هويةٌ حيّة، ومرايا تعكس بساطة العيش وعمق الإيمان في مجتمعٍ ظلّ مرتبطًا ببيوت الله ارتباط الروح بالجسد. فيها تعلّم الصغار حروف القرآن، ومنها انطلقت كلمات الإصلاح، وتحت قبابها اجتمعت القلوب قبل الأجساد.
واليوم، ومع تنامي الاهتمام بالتراث الوطني، تستعيد هذه الجوامع حضورها في المشهد الثقافي والسياحي، لتكون محطات إشعاعٍ تربط الماضي بالحاضر، وتمنح الأجيال فرصة أن تلامس الجدران التي لامستها جباه الأجداد. إنها ليست حجارةً تُرمم فحسب، بل ذاكرةٌ تُصان، ورسالةٌ تُجدّد بأن جازان كانت — وما تزال — منارة علمٍ وعبادةٍ وتواصلٍ حضاري.
هنا، حين يُرفع الأذان، لا يُسمع صوتٌ فقط… بل يُستعاد تاريخ.
وحين تُذكر هذه المساجد، لا يُروى خبرٌ فحسب… بل يُكتب فصلٌ جديد في كتاب الإرث المجيد.



مصدر الصور: واس
- الحِرَفُ السعودية تدخل مرحلة تنظيم وتمكين جديدة
- فريق لمسة وفاء بالعالية يحتفي بيوم التأسيس
- أمير منطقة جازان يسلّم وثائق تملّك الوحدات السكنية للمستفيدين من تبرّع سمو ولي العهد
- نبراسُ اليَقين في الصَّلاةِ على الصَّادقِ الأمين
- الحياة تعيد لك ما تزرعه



