مقالات

المستشار .. صوت الحكمة في زمن الضجيج

د. مصلح البركات

في زمنٍ تتعقد فيه القرارات، وتتشابك فيه المصالح، وتزداد فيه الضغوط على المؤسسات والأفراد، تتجه الأنظار نحو “المستشار” بوصفه العقل الهادئ الذي يُفترض أن يرى ما لا يراه الآخرون، ويقرأ بين السطور، ويقدّم البديل قبل أن يقع المحذور. غير أنّ الصورة بين الواقع والمأمول كثيرًا ما تتباين؛ فالمستشار الذي يُفترض أن يكون ميزان الحكمة يتحوّل أحيانًا إلى مجرد “ملء فراغ وظيفي” أو “ختم موافقات”، بعيدًا عن جوهر مهنته وعن القيمة الحقيقية التي يُنتظر أن يقدمها.

في الواقع، نجد أن عددًا من المستشارين يكتفون بلعب الدور التنفيذي أكثر من الدور الفكري، ويغرقون في تفاصيل ثانوية دون أن يقتربوا من جوهر المشكلات.


بعضهم يقدّم النصيحة بعد حدوث الأزمة، لا قبلها، وكأنّ وظيفته تبرير الأخطاء لا منع وقوعها. وآخرون لا يملكون الأدوات المعرفية الحديثة، ولا يتابعون تحولات الإدارة والاقتصاد والتقنية، فيصبح رأيهم امتدادًا للماضي لا استشرافًا للمستقبل. وهناك من يربط نصيحته برغبة المسؤول لا بمصلحة العمل؛ فيفقد الاستقلالية، ويبتعد عن الحياد، ويتحوّل إلى “مستشار مجاملة” بدلًا من “مستشار خبرة”.

لكنّ المأمول شيء مختلف تمامًا؛ فالمستشار الحقيقي هو الذي يضيف قيمة، ويصنع فارقًا، ويُسهِم في بناء القرار لا في تزويقه. المستشار الذي يُنتظر منه أن يملك ثلاث قدرات متلازمة: القدرة على التشخيص، والقدرة على التحليل، والقدرة على اقتراح الحلول الواقعية القابلة للتطبيق. مستشارٌ يرى الصورة من الأعلى، ويستطيع أن يقدّر المخاطر، ويقيس الفرص، ويقترح البدائل، ويقدّم رأيًا مهنيًا مهما كان مُرًّا أو غير مُريح، لأن الحقيقة لا تُجمَّل، والمستشار لا يُشترى برضا أحد، بل بقيمة نصيحته.


المأمول أن يكون المستشار صانع رؤية، وشريك تفكير، ومحرّكًا للابتكار داخل المؤسسة، وليس مجرد موظف ينتظر تكليفًا أو يجترّ خبرات قديمة. وأن يُدرك أن المعرفة تتغير بسرعة، وأن الخبرة لا تكتمل إلا بالتعلّم المستمر. وأن يُبنى دوره على الثقة والحياد والصدق؛ لأن الاستشارة تحتاج إلى عقل نزيه قبل أن تحتاج إلى عقل خبير.


وعندما يتحقق هذا المأمول، يصبح المستشار جزءًا من الحل، لا جزءًا من المشكلة. يصبح بوابة لتطوير المؤسسة، ورافدا لاتخاذ قرارات أكثر حكمة، ومرآة تنعكس عليها الأخطاء بوضوح لا بخوف. وعندها فقط يمكن أن نقول إن المستشار عاد إلى مكانه الطبيعي: صوت الحكمة في زمن الضجيج، والعقل المتزن في زمن السرعة، ورجل المواقف الصعبة الذي يختصر الطريق ويقلّل الأخطاء ويصنع الفرق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى