المشلح ليس حكرًا على أحد

زينةٌ عربية أصيلة تتجاوز الألقاب وتستعيد معناها الثقافي
بقلم : الإعلامي حامد الطلحي الهذلي
ليس من العدل أن نُضيّق ما وسّعه التاريخ، ولا أن نحبس رمزًا ثقافيًا في دائرة ضيقة من التصنيفات الاجتماعية. فقد شاع بين بعض الناس أن المشلح لا يلبسه إلا المشايخ، أو الأمراء، أو الوزراء، أو العرسان ليلة زفافهم؛ وكأن هذه القطعة التراثية الأصيلة صكّ امتيازٍ رسمي، لا زينة عربية ضاربة الجذور في عمق الهوية.
والمشلح — أو البِشت — لم يُنسج يومًا ليكون بطاقة تعريف وظيفية، بل صُمّم ليكون عنوان وقار، ولم يُفصّل ليُعلن منصبًا، بل ليُكمل هيئة ويُضفي جمالًا. ارتداه العرب في مجالسهم، ولبسه الوجهاء في مناسباتهم، وتزيّن به الشعراء في محافلهم، فكان جزءًا من المشهد الثقافي والاجتماعي، لا حكرًا على فئة دون أخرى.
لقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ وهذه الآية الكريمة تضع حدًا لكل فهمٍ يحرّم عرفًا ما لم يحرّمه شرع، أو يضيّق على الناس ما جعله الله مباحًا. فالزينة في ذاتها أمر محمود، ما لم تُقرن بكبر أو ادعاء.
وفي التراث العربي إشادة واضحة بحسن الهيئة وبهاء المظهر، فقد قالوا: “الهيئة عنوان المروءة”، وأكدوا أن اللباس الحسن يزيد الرجل مهابةً إذا اقترن بأخلاق حسنة وسلوك مستقيم. ويقول أحد الشعراء:
إذا المرءُ لم يلبس ثيابًا من التُّقى
تقلب عريانًا ولو كان كاسيًا
وهنا يتجاوز المعنى حدود القماش إلى قيمة الإنسان في جوهره؛ فليست العبرة فيما نلبس، بل فيما نحمل من خلقٍ ومعنى. وعلى ذات السياق، يمكن القول: ليس كل من لبس مشلحًا صار شيخًا، ولا كل شيخ يحتاج مشلحًا ليكون شيخًا.
إن اختزال المشلح في إطار وظيفي أو طبقي يُفقده معناه الثقافي الأوسع. فكما أن الثوب والعقال والشماغ رموز عربية عامة، كذلك المشلح جزء من هذه المنظومة الجمالية التي تعبّر عن الاعتزاز بالهوية والانتماء. ولبسه في مناسبة وطنية، أو أمسية ثقافية، أو لقاء اجتماعي، لا يعني ادعاء مكانة، بل يعكس ذائقةً جمالية واعتزازًا بالموروث.
المشكلة ليست في المشلح، بل في الفهم الضيق له. فمن لبسه بوقار، ازداد وقارًا، ومن ارتداه بتواضع، زاده جمالًا، ومن لبسه رياءً، كشفه الناس ولو لم يرتده أصلًا. فالمهابة في السلوك، والمنصب في العمل، والقدر في الأخلاق؛ أما المشلح فهو إضافة جمالية لا أكثر.
إننا بحاجة إلى إعادة قراءة رموزنا التراثية بعيدًا عن الأحكام المسبقة. فالمشلح ليس لقبًا، ولا صفة رسمية، ولا علامة طبقية؛ إنه زينة عربية أصيلة، يحق لكل من أراد أن يعتز بها أن يرتديها دون أن يُسأل: أأنت شيخ أم وزير أو تاجر ؟
فالوقار في الداخل قبل أن يكون في الخارج،
والجمال في المعنى قبل أن يكون في المظهر،
والمشلح… قطعة من هويةٍ واسعة، لا ينبغي أن نختزلها في مسمى ضيق
مقالات الإعلامي
حامد الطلحي الهذلي
مدير فرع جمعية نجوم السياحة بمحافظة الطائف
سفير الحراك السياحي والمجتمعي في عروس المصايف.
- مركاز حارة الأمجاد بالمباركة يواصل أنشطته الرياضية والمجتمعية
- دُعاءُ الوفاء.. لِأهلِ الجُودِ والخَفَاء
- الدكتور حسين نجار… صوتٌ سكن الذاكرة وتوّجته الجائزة
- بين ما مضى وما هو آتٍ… دروسٌ للحياة
- الحِرَفُ السعودية تدخل مرحلة تنظيم وتمكين جديدة



