آداب

المغفل النافع”.. حين تصبح “البطولة الزائفة” جسرًا لتدمير الأوطان

يحـــيى بن محمد البكري – جازان – صحيفة بصمة اون لاين

في قاموس السياسة، ليس هناك وصف أشد مرارة وسخرية من مصطلح “المغفل النافع” (Useful Idiot).
هذا المصطلح الذي لم يُبتكر للإساءة، بل لتشخيص حالة انتحار سياسي يمارسها أفراد يظنون أنهم يخدمون “المبدأ”، بينما هم في الحقيقة يخدمون “المشغل”.


الجذور التاريخية للمصطلح خناجر الحرب الباردة.


بالعودة إلى أيام الحرب الباردة، نجد أن هذا المصطلح استُخدم لوصف تلك النخب الغربية التي انخدعت بالشعارات المثالية للأنظمة الشمولية.


كان هؤلاء يظنون أنهم يدافعون عن “العدالة العالمية” و”حقوق الكادحين”، فصاروا أبواقًا للدعاية الخارجية ضد أوطانهم.


لقد كان “الرعيل الأول” من هؤلاء بمثابة “خناجر” طُعنت بها سيادة دولهم من الداخل؛ قدموا الغطاء الأخلاقي للقمع، وبرروا التدخلات السافرة في شؤون جيرانهم، وبنوا “عالم الورق” الجميل بينما كانت الحقيقة على الأرض دمارًا واستعبادًا.


هؤلاء، وبمجرد أن انتهت أدوارهم المرسومة، رماهم التاريخ في سلة المهملات، ولم تشفع لهم “نواياهم الحسنة” حين سقطت الأوطان.


تطور المفهوم في العصر الحديث


نسخة القرن الحادي والعشرين: “المغفل” بنكهة إقليمية المغفل النافع ودفاعه عن المشروع الفارسي
اليوم، يتكرر المشهد في واقعنا العربي بنسخة أكثر بؤسًا.


نرى “المغفل النافع” المعاصر يتلبس لبوس “المقاومة” و”نصرة المستضعفين” ليدافع باستماتة عن مشروع إقليمي توسعي (طهران).


هذا الشخص يعاني من “انتقائية وعي” حادة؛ فهو يصرخ ملء حنجرته على السوشيال ميديا عند أي اعتداء خارجي على “المركز”، بينما يمارس “صمت القبور” أو “التبرير الوقح” حين يعتدي هذا المركز نفسه على عواصم عربية، ويمزق نسيج أوطانٍ ليس لها ذنب سوى أنها وقعت في طريق أطماعه.


يتوهم هذا “البيدق” الرقمي أنه بطلٌ كوني، وأنه يمتلك بصيرةً يفتقدها الآخرون.


لكن الحقيقة المُرّة هي أنه ليس سوى “مصدٍّ بشري” فكري.


الاستراتيجية التي يدافع عنها تقوم أصلًا على حماية “الحدود القومية” لتلك القوة عبر جعل الأراضي العربية “ساحات اشتباك” و”دروع بشرية”.


التبعية المقنعة: أنت أيها المدافع الشرس لست “شريكًا” في القرار، بل أنت مجرد “رقم” في طابور الدعاية.
وظيفتك تتلخص في “تبييض” وجه القبيح، وإقناع الناس بأن “التبعية” هي “تحالف”، وأن “سلب السيادة” هو “تنسيق”.


تساؤلات حول معنى البطولة والممانعة والبصيرة يجب أن نضغط على الجرح حتى يفيق المخدوعون:
أين هي البطولة؟ في الدفاع عن مشروع خرّب المدن العربية وحوّلها إلى ركام؟
أين هي الممانعة؟ في تفتيت الجيوش الوطنية لصالح ميليشيات عابرة للحدود؟


أين هي البصيرة؟ حين ترى الاعتداء على “الغريب” جريمة، والاعتداء على “الجار العربي” ضرورة؟
إن “المغفّل النافع” هو الخطر الحقيقي لأنه يفتح أبواب الحصن من الداخل.


هو “حصان طروادة” الذي يروّج لفكرة أنك مجبر على الاختيار بين عدوّين، متجاهلاً “الخيار الوطني العربي” الذي يرفض التبعية لكل الأطراف.


هو ذلك الصوت الذي يملأ تعليقاته بصور الدمار، ويبكي على الأطفال بدموع حقيقية لكن بعين واحدة.
يتألم حين يسقط الضحايا في اتجاه، ويجد تفسيراً “مقنعاً” حين يسقطون في الاتجاه الآخر.


ليس لأنه لا يرى، بل لأن منظومته الفكرية أعطته مفتاح تبرير جاهزاً لكل جريمة تصدر من الجهة التي والاها. يُحاضر في السيادة الوطنية بينما يُبرّر ميليشيا تعمل بأوامر من عاصمة أجنبية، ويتكلم عن وحدة المصير العربي بلسان من يرى في الخريطة العربية مجرد عمق استراتيجي لمشروع ليس عربياً.


والأخطر أنه لا يكذب فهو مقتنع، وهذا الاقتناع تحديداً هو ما يجعله نافعاً لمن يُحرّكه دون أن يعلم.


كلمة أخيرة للمنخدعين والمنخدَعين بهم الوطنية لا تتجزأ، والكرامة لا تُباع بشعارات مستوردة.


من يغدر بجاره العربي اليوم لن يحميك غداً.


البطولة الحقيقية هي أن تكون نافعاً لأهلك ووطنك، لا أن تكون “مغفّلاً” يحرقه الآخرون ليدفئوا أيديهم على ناره.


استيقظوا.. فالتاريخ لا يكتب أسماء الأبواق في سجل العظماء، بل يكتبهم كعبرة لمن ارتضى أن يكون “جسراً” لهدم داره بيديه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى