مقالات

الميزان حين تنكسر الكُفة

كتبه لصحيفة بصمة اون لاين
أ – محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

ليست كل الجراح تُرى، ولا كل القطيعة تُعلَن. فكثير من العلاقات داخل الأسرة لا تنكسر بصوتٍ عالٍ، بل تختلّ بهدوء حتى يصبح الظلم جزءًا من العادة، ويغدو الإقصاء سلوكًا يمارَس دون أن يشعر أصحابه أنهم يمارسون إقصاءً.

ومن أكثر صور هذا الخلل ألمًا ما يحدث في بعض البيوت حين تتحول الأسرة – على ندرة ذلك – إلى ساحة فرزٍ خفيّ، يُقرَّب فيها بعض الأبناء، ويُدفَع آخرون إلى الهامش، وكأن القرابة درجات متفاوتة لا رابطة واحدة تجمع الجميع.

العلاقة السلبية في محيط العمل – مهما اشتدت – تبقى غالبًا جرحًا يمكن تجاوزه؛ لأنها علاقة وظيفية يحدّها الزمن ويمكن استبدالها أو مغادرتها. أما العلاقة السلبية داخل الأسرة فهي مختلفة في طبيعتها؛ لأنها لا تصيب السلوك فقط، بل تمسّ معنى الأمان نفسه. فالإنسان لا يتوقع أن يواجه الخصومة في المكان الذي وُجد ليكون ملاذه الأول. ولهذا تبقى جراح الأسرة أطول عمرًا، حتى إن قلّ الحضور اليومي لبعض أفرادها بعد الاستقلال؛ لأن عمق الرابطة لا يُقاس بعدد اللقاءات، بل بجذرها في النفس.

وفي بعض البيوت يظهر نمط مؤلم حين تتجه المنظومة الأسرية – أحيانًا عن وعيٍ وأحيانًا عن شبه وعي – إلى اختيار شخصٍ واحد تُسقط عليه توتراتها وأخطائها.

وقد يكون هذا الفرد الأضعف لأنه أسهل استهدافًا، وقد يكون – على العكس – الأكثر وعيًا أو استقلالًا، فيُعامل كما لو كان تهديدًا غير معلن للتوازن القائم. وفي مثل هذه الحالات لا يعود الأمر خلافًا عابرًا، بل يتحول إلى بنية ثابتة داخل الأسرة تُعرف بما يشبه «كبش الفداء»، حيث تتوحد الأصوات ضد شخصٍ واحد ليبقى التوتر الحقيقي خارج دائرة المواجهة، ويُحافَظ بذلك على وهم الانسجام داخل البيت.

وهذا النمط يظهر بوضوح أكبر في بعض الأسر ذات البنية النرجسية التي تحتاج – بصورة شبه دائمة – إلى طرفٍ تُحمل عليه مسؤولية الخلل بدل الاعتراف به داخل المنظومة نفسها.

ويزداد المشهد تعقيدًا حين تتداخل معه نظرة اجتماعية قديمة تقدّس الذكورية، فتميل بعض الأسر إلى تقريب الذكور وإبعاد البنات، وكأن صلة الرحم تمر عبر خط واحد فقط. فتتحول الابنة – بعد الزواج – في نظر تلك البيوت إلى شخصٍ انتقل إلى بيتٍ آخر، ويُتعامل مع أبنائها على أنهم أبعد صلة، رغم أن الرحم لا ينقطع بزواج ولا يزول بانتقال المرأة إلى بيت زوجها.

وقد يبلغ الخلل حدًّا مؤلمًا حين يصدر هذا الإقصاء من الأم نفسها، فتقرب ابنةً واحدة لقربها منها أو لاعتمادها عليها، بينما تُترك بقية الأخوات على هامش القرب، وكأن الحب يُدار بمنطق المنفعة لا بمنطق العدل.

ولا تكون الابنة المقرَّبة دائمًا مثقلةً بأعباء القرب كما يُظنّ، بل قد تتحول – في بعض البيوت – إلى حارسةٍ لموقعها داخل الأسرة، خصوصًا إذا كانت الكبرى أو الأوفر حظوةً في تقدير الوالدين، أو كانت الأقدر على استمالة قلب الأم والقرب من عالمها الخاص.

وقد تسعى – أحيانًا وبوعيٍ كامل – إلى تثبيت هذا الموقع أو توسيعه، فتسهم بذلك في صناعة مسافة قطيعة بينها وبين أخواتها، بل بدافع الحفاظ على مكانةٍ اعتادت أن تُعرِّف بها نفسها داخل البيت.

وحين يتحول القرب من الأم إلى مصدر تأثير داخل الأسرة، لا يبقى مجرد علاقة مودة، بل يصبح موقعًا عاطفيًا يمنح صاحبه حضورًا خاصًا وتأثيرًا غير معلن.

وعندئذٍ قد يتحول هذا القرب – من حيث لا يُشعَر – إلى مجال تنافسٍ صامت بين الأخوات، فيتغير معنى العلاقة بينهن، ولا تعود صلة الرحم وحدها هي التي تحدد القرب، بل موقع كل واحدة منهن في ميزان العلاقة مع الوالدين.

وهنا لا يعود الإقصاء مجرد شعورٍ فردي تعيشه إحدى البنات، بل يتحول إلى خللٍ في طبيعة العلاقة بين الأخوات أنفسهن؛ إذ ينتقل القرب من كونه حقًا مشتركًا إلى موقعٍ يُتنافَس عليه، وهو تحوّل صامت لكنه من أخطر ما يصيب البنية الداخلية للأسرة.

ولا يقتصر أثر هذا الخلل على البنات وحدهن، بل يمتد إلى الأبناء الذكور الذين يُمنحون الأفضلية؛ إذ ينشؤون أحيانًا داخل ميزانٍ مختلّ لا يدركون أثره إلا حين تتفكك الروابط من حولهم، فيكتشفون متأخرين أن القرب الذي بدا امتيازًا لم يكن علامة استقرار، بل كان جزءًا من اختلالٍ أصاب معنى العدل داخل البيت نفسه.

والخلل الحقيقي لا يكمن في ميل القلب؛ فالميل طبيعة بشرية لا يمكن إلغاؤها، وإنما يكمن في تحوّل هذا الميل إلى نظامٍ معلن يمنح بعض الأبناء امتياز القرب ويحرم الآخرين منه. فالأسرة السويّة قد تختلف فيها درجات المودة، لكنها لا تجعل هذا الاختلاف معيار قيمة، ولا تحوّل القرب إلى امتيازٍ مرتبط بالجنس أو المنفعة أو القدرة على التأثير.

ومن هنا يتجلى المعنى العميق في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾. فالآية لا تجعل المصاهرة قطيعة للنسب، بل توسعة له؛ إذ يجتمع النسب والصهر ليشكلا امتدادًا لا انقسامًا. فالابنة لا تخرج من رحم أسرتها حين تتزوج، بل يتسع رحم الأسرة بها، وتزداد دوائر القرب بدل أن تضيق.

إن الأسرة التي تدرك هذا المعنى تفهم أن الرحم لا يُقاس بحدود البيت، وأن العدل لا يضعف الهيبة بل يحفظها. أما حين يُنكر حق القربى، ويُعامل بعض الأبناء كأنهم غرباء، فإن الخسارة لا تقع على فردٍ بعينه، بل على المعنى نفسه الذي تقوم عليه الأسرة.

وفي النهاية يبقى المعيار بسيطًا وعميقًا معًا:

البيت الذي يحافظ على الصلة بين أفراده يترك فيهم أثر الأمان، أما البيت الذي يفرّق بينهم فيصنع جراحًا قد تخفت مع الزمن، لكنها لا تختفي. وليس المطلوب كمالًا بشريًا مستحيلًا، بل عدلًا يليق بمن يفترض أن يكونوا أقرب الناس رحمًا، وأولى الناس مودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى