بين القبول والإجابة… حين يكون الدعاء نجاةً أو مهلكة

د. مصلح البركات – صحيفة بصمة اون لاين
ليس الدعاء كلماتٍ عابرة تُقال على عجل، بل هو موقفٌ روحيٌّ تتجرد فيه النفس من حولها وقوتها، لتقف على باب السماء خاشعةً، موقنةً بأن ربًّا يسمع ويرى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
غير أن كثيرًا من الناس يخلطون بين قبول الدعاء وإجابته، فيظنون أن تأخر العطاء ردٌّ، وأن اختلاف الصورة حرمان، بينما الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فالقبول يعني أن الدعاء صعد طيبًا بصدق النية وصفاء القلب، أما الإجابة فهي أثر هذا القبول في الواقع؛ وقد تأتي كما سأل الداعي، وقد تُصرف عنه بسوءٍ أعظم، أو يُدَّخر له من الأجر ما هو خير له في دنياه وأخراه.
وقد أشار إلى هذا المعنى محمد بن صالح العثيمين رحمه الله حين بيّن أن الداعي على خير في كل أحواله؛ فإن أُعطي ما سأل فقد نال مطلوبه، وإن لم يُعطَ فقد دُفع عنه من السوء ما لا يعلمه، أو ادُّخر له من الثواب ما هو أعظم.
الدعاء في جوهره عبودية خالصة، تتجلى فيها حقيقة الافتقار الإنساني. ومن أعظم ما ورد في السنة دعوة المظلوم، فقد روى محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه قول النبي ﷺ: “اتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب”. هنا تتحول الكلمات إلى قدرٍ نافذ، ويتحول الأنين إلى قوة تتجاوز الأسوار والحراس؛ لأن الظلم إذا اشتد، أسقط الحجب، وجعل الدعاء صادرًا من قلبٍ محترق لا يعرف إلا الصدق. وكذلك دعوة الوالد لولده أو عليه، ودعوة المسافر، ودعوة الصائم عند فطره، كلها مواطن يعلو فيها صوت الانكسار، فيكون أقرب إلى الإجابة.
وفي المقابل، قد يكون الدعاء سلاحًا مهلكًا إذا انطلق من صدرٍ مظلوم. والتاريخ يحدّثنا عن دعواتٍ قلبت عروشًا وأذهلت جبابرة. يُروى أن امرأةً عجوزًا ظُلمت في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي، فرفعت يديها في جوف الليل وقالت: “اللهم إن الحجاج قد ظلمني فأرِني فيه قدرتك”.
ولم تمضِ إلا مدة حتى ألمَّ به مرضٌ شديد، فكان يتوجع ويقول في بعض ما نُقل عنه: “ما لي وللعجائز ودعواتهن!”. سواء صحت تفاصيل الرواية أو اختلف المؤرخون في أسانيدها، فإن المعنى باقٍ: الظلم لا يمرّ بلا أثر، ودعوة المقهور قد تكون بداية النهاية.
ويُذكر كذلك أن الوزير العباسي ابن الفرات عُرف بالشدة والبطش، وأن عجوزًا سُلب حقها في أيامه فدعت عليه بأن يُضيّع الله ملكه كما ضيّع حياتها، فكانت نهايته بين عزلٍ وسجنٍ وقتل، حتى صار مثالًا على تقلّب الدنيا بأهلها. أما ملك الفرس كسرى الثاني، فتُروى في شأنه أخبار عن امرأةٍ فقدت أهلها على يد جنده، فدعت أن يتمزق ملكه كما تمزق قلبها، فلم تمضِ سنوات حتى تمزقت دولته بالصراعات، وقُتل على يد ابنه، وتفككت الإمبراطورية من بعده. قد تختلف الروايات في تفاصيلها، لكن السنن لا تختلف: دعوة المظلوم سهمٌ لا يُخطئ.
ليس كل تأخرٍ في الإجابة ردًّا، وليس كل عطاءٍ عاجلٍ خيرًا. كم من إنسانٍ دعا فلم يرَ أثر دعائه كما أراد، لكنه نجا من بلاءٍ كان ينتظره، أو رُفع له في الميزان ما لا تبلغه أعماله. وكم من ظالمٍ نام ملء عينيه، وهو لا يدري أن دعوةً خرجت من قلبٍ منكسر قد كُتبت عليه، تنتظر ساعة الإجابة. الدعاء ليس طقسًا عابرًا، بل هو ميزان عدلٍ إلهيٍّ خفيّ، يطمئن به المظلوم، ويرتعد له الظالم.
في زمنٍ تتسع فيه الفجوة بين القوة والعدل، يبقى الدعاء ملاذ الضعفاء، وسكينة المؤمنين، وسلاحًا لا يُرى أثره إلا حين تحين الساعة. وبين القبول والإجابة مساحة إيمانٍ عميقة، لا يدركها إلا من عرف أن الله لا يرد قلبًا صادقًا، وإن أخّر عنه صورة الجواب. فليحذر من ظلم، وليطمئن من ظُلم، ولنعلم جميعًا أن السماء أقرب إلينا مما نظن، وأن كلمةً صادقةً في جوف الليل قد تغيّر مجرى التاريخ.
- المسؤولية الفردية… حين يعود كل شيء إلى نفسك
- الإعلام الخليجي … جبهةٌ واحدة لحماية الأمن والاستقرار
- على كتف الألم…
- يوم العـلم هوية أمة وتاريخ وطنٍ
- نُورٌ عَلَى عَلَم



