دين ودنيا

تمهَّل يا رمضان

بقلم – صَالِح الرِّيمِي – صحيفة بصمة اون لاين

“يا للخسارة انتصف الشهر… تمهَّل يا رمضان، بالأمس استقبلناك بلهفة المشتاق، واليوم نلتفت فنجد نصفك قد مضى كأنّه ومضة، ففي القلوب أشياء لم ترتب بعد، وفي الأرواح عطش لم يكتفِ من السقيا، وما زالت هناك دعوات لم ترفع كما ينبغي، ودموع لم تنزل بعد لتغسل التعب، وصدقات تنتظر أن تجد طريقها إلى يدٍ محتاجة” ..

“تمهَّل يا رمضان، فإنّا نخاف أن ترحل قبل أن نصلح ما أفسدته أيامنا، وقبل أن تُضيء في داخلنا تلك السكينة التي جئت تحملها، ومع ذلك إن كان نصفك قد مضى، فإن نصفك الآخر ما زال بابًا مفتوحًا للقلوب”.

بعد منتصف شهر رمضان وصلتني عدة رسائل عن بكائيات ووداع رمضان كالعادة في كل عام من شهر رمضان المبارك، مثل التي في مقدمة المقالة، وهو أمر طبيعي، وظاهرة نابعة من وجدان المسلم عند رحيل رمضان ..

ولأن رمضان مرتبط بالوعي الإسلامي بالمغفرة والعتق من النار، والتباكي أو الحزن قد يكون تعبيرًا عن الخشية من عدم استغلال هذه الفرصة كما يجب، أو الخوف من ألا يدرك الإنسان رمضان القادم، وهو ما يسميه البعض “غصة الوداع”.

ونحن كمسلمين نُعامل رمضان كضيف عزيز، ويحزننا وداعه، كشخص لا يحب وداع حبيبه، لأن أيامه مليئة بالبركة والخير والصفاء الذهني، ولا يعبر الحزن فقط على انقضاء الشهر كزمن، بل هي حالة شعورية عميقة لها أسبابها النفسية والروحية، كالشعور بفقدان البيئة المثالية التي يخلقها ​رمضان من الانضباط والسكينة وكثرة الطاعات ..

أقول: ليس للعاقل أن يقف متحسرًا على شيءٍ مضى، بل العاقل من ينظر إلى ما بقي فيغتنمه، فإن كان نصفه قد رحل، فإن نصفه الآخر ما زال بين يديك، وفيه ليالٍ عامرة،
ودعواتٌ مسموعة، وأبواب رحمةٍ لا تزال مفتوحة.

فلا تتحسر عن فوات بعض أيام رمضان، فهناك أيام باقية ممكن تكون فيها أفضل لمن صدق مع الله، ربما ليلةٌ واحدة فيما بقي من رمضان تجبر ما مضى، وتغير العمر كلَّه، ليلةٌ يلين فيها قلبٌ قسا طويلًا، أو تُرفع فيها دعوةٌ صادقة فتفتح أبواب السماء ..

ليلةٌ يعتذر فيها عبدٌ لربه بصدق، فتُغفر سنونٌ من الغفلة، ليلةٌ صادقة في النصف القادم تجبر ما فات، وتحوّل الندم إلى بدايةٍ أجمل وبداية حياةٍ جديدة.

ترويقة:
في منتصف الطريق توقف المسافر قليلًا، نظر خلفه فرأى نصف الطريق قد مضى، فقال بحزن: “يا للخسارة… لقد تأخرت”، فمر به شيخٌ حكيم وقال: “ولِمَ الحزن؟ ما دام في قدميك قوة، فالطريق الباقي هو فرصتك الحقيقية”،


ابتسم المسافر، وشدَّ رحاله من جديد، ومضى بخطى أسرع، لأنه أدرك أن الرحلة لا يحددها ما مضى، بل ما نفعله بما بقي، وهكذا رمضان إن مضى نصفه، فقد بقي نصفه الأجمل لمن استيقظ قلبه الآن.

ومضة:
العبرة ليست في البكاء على رحيل رمضان، بل في رب رمضان الذي هو رب بقية الشهور، والحزن الصادق هو الذي يتحول إلى دافع للاستمرار على نفس النهج، وليس مجرد عاطفة عابرة تنتهي مع صلاة العيد.

كُن مُتََفائِلاً وَابعَث البِشر فِيمَن حَولَك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى