
يتبدّى الوقتُ في عيونِ الغافلين كجريانٍ عاديٍّ للأيام، وسيلٍ رتيبٍ من الدقائقِ والثواني، لكنه في حقيقته المُعْتَمَدَة هو “رأسُ مالِ العمر” الأوحد، والجوهرُ الذي لا يقبلُ الاسترداد. إننا نرفلُ في كنفِ العافيةِ والنشاطِ المألوف، فتغدو لنا الحياةُ كأنها نهرٌ سرمديٌّ لا ينضب، وهذا الأنسُ بالنعمةِ هو الذي يحجبُ عنا تقديرَ قيمتها الحقيقية، فلا ندركُ أننا في “ذروةِ النعمة” إلا حين تلوحُ شمسُها للغروب.
إنَّ مأساةَ الإدراكِ المتأخرِ تكمنُ في تلك الالتفاتةِ الحزينةِ بعد عقود، حين نفتشُ في زوايا الذاكرةِ عن أيامٍ وصفناها يوماً بالرتابة، لنكتشفَ أنها كانت قمةَ الغبطةِ ومخزنَ الفرصِ الضائعة. ومن هنا، فإنَّ الحكمةَ تقتضي منا ألا نقفَ متفرجين على قطارِ العمر، بل نغتنمَ العافيةَ بوصفها فرصةً استثنائيةً عابرة، لا حالةً دائمةً مفروغاً منها، فما أثقلَ الذاكرةَ حين تزدحمُ بمرارةِ الندمِ على زمنٍ كان بمتناولِ اليدِ ولم يُستثمر.
إن الإسلامَ هو منهجُ حياةٍ متكامل، فقد جعلَ من الوقتِ أمانةً يُسألُ عنها العبدُ في مِحاريبِ الحساب؛ حيثُ أقسمَ الخالقُ بمقاطعِ الزمنِ تنبيهاً على نفاستِها، وحثنا المصطفى ﷺ على اغتنامِ “الصحةِ قبل السقم” و”الفراغِ قبل الشغل”. إنَّ امتثالَ هذا المنهجِ القويمِ يقتضي ألا يمضي يومكَ كسطرٍ باهتٍ في كتابٍ منسيّ، بل اجعلْ من عافيتكَ وقوداً للإبداع، ومن وقتكَ عملةً تشتري بها الأثرَ الباقي، فالموفقُ هو من صيّر دقائقَ عمرهِ عبادةً وعمارة، والمغبونُ من فرّطَ في أمانةِ الزمانِ حتى انقضى.



