آداب

حديث ينسج من خيوط الذاكرة والواقع ويرسم لوحة متكاملة عن رمضان في “أبوعريش”

بقلم/محمد باجعفر

مدينة العلم والتاريخ والفل:
أبوعريش:
تراتيل الروح بين مآذن التاريخ وعبق الفل الرمضاني
حين يطلّ هلال رمضان على محافظة أبوعريش، لا يأتي مجرد شهرٍ في تقويم الزمن، بل يحلّ كزائرٍ عزيزٍ يفتح أبواب الذاكرة الموصدة، ويوقظ في الوجدان حنيناً جارفاً لزمن البساطة، ممتزجاً بعنفوان الحاضر وأصالته. هنا، في قلب تهامة، حيث تلتقي الجغرافيا بالتاريخ، يُكتب لرمضان فصلٌ خاص لا يشبهه أي مكان آخر.


أولاً: عبق الماضي.. ترانيم الطين والقلوب البيضاء
في أزقة أبوعريش القديمة، وبين بقايا البيوت التي بُنيت من “الآجر” والطين، يستحضر كبار السن ملامح زمنٍ كان فيه الجارُ يشمّ رائحة “قشر القهوة” من بيت جاره قبل أن يرتشفها.


كان “المسحراتي” في أبوعريش قديماً ليس مجرد منبه للوقت، بل كان نبض الحارة، وصوته الجهوري الممزوج بضربات الطبلة كان يبعث السكينة في النفوس، معلناً أن الفجر يتهيأ لغسل وجه الأرض. كانت البيوت تشرع أبوابها، لا خوفاً ولا حذراً، بل انتظاراً لطبق “المرسة” أو “المغش” الذي يتنقل بين الأيادي في طقسٍ اجتماعي يُسمى “المهادية”، حيث تذوب الفوارق وتتوحد الموائد.


ثانياً: سيمفونية الميفا.. طعمٌ لا يغادر الذاكرة
لا يمكن الحديث عن رمضان في أبوعريش دون الانحناء إجلالاً لـ “الميفا” (التنور الفخاري). فمع اقتراب غروب الشمس، تتصاعد الأدخنة المعطرة بخشب السمر من كل بيت،
محملةً بروائح “الخمير” و”المغشات” الحجرية.


تلك الأواني الحجرية السوداء التي تُطبخ فيها اللحوم والخضروات ببطء شديد تحت لهيب الجمر، ليست مجرد طعام؛ إنها إرثٌ ثقافي. وحين تجتمع العائلة حول “السفرة”، يتصدر “اللحوح” المغطى بمرق “الشفوت” المشهد، ليحكي قصة جيلٍ لم تغيره ناطحات السحاب ولا الوجبات السريعة، بل بقي وفياً لمذاق الأرض وسنابل الذرة.


ثالثاً: أصالة الحاضر.. وهج الضوء في ملامح المدينة
اليوم، تلبس أبوعريش في رمضان حلةً من الضياء. شوارعها الفسيحة وميادينها تنبض بالحياة بعد صلاة التراويح. لكن الجميل في هذه المدينة هو تلك “الأصالة المتجذرة”؛ فبرغم التطور العمراني، لا تزال “بسطات رمضان” هي الملتقى الأول للشباب.


تشاهد في “سوق الربوع” الشهير أو على جنبات الطرقات، وجوهاً شابة مفعمة بالحيوية، تبيع “البليلة” و”السمبوسة” والحلويات الجيزانية بابتسامةٍ عريضة تعكس كرم الإنسان العريشي. وفي الملاعب، تُقام البطولات الرمضانية التي يختلط فيها هتاف الجمهور بصوت الأذان، في لوحةٍ تجمع بين صخب الحياة وروحانية العبادة.

رابعاً: الفل العريشي.. أيقونة الليالي المقمرة
إذا كان لكل مدينة عطر، فعطر أبوعريش هو “الفل”. في ليالي رمضان، يزداد حضور هذا الزهر الأبيض كعنصرٍ أساسي في المجالس. لا تكتمل الجلسات الرمضانية “الدكايا” إلا بوجود “عقود الفل” التي تنشر عبقاً يطرد التعب، ويضفي على السمر الرمضاني مسحةً من الجمال الشاعري. هو رمزٌ للحب والترحاب، وجسرٌ يربط بين أناقة الماضي وتجدد الحاضر.


خاتمة: روحانية لا تغيب
تظل أبوعريش في رمضان هي تلك القصيدة التي لم تكتمل أ بياتها بعد؛ ففي كل عام تضاف صورٌ جديدة من التكافل والبهجة. هي مدينةٌ تعرف كيف تحافظ على وقار “المآذن” وهي تحتضن ضجيج “الأسواق”، وتعرف كيف تجعل من “الماضي” وقوداً “للحاضر”، ليبقى رمضان فيها تجربةً روحية واجتماعية فريدة، تُحفر في وجدان كل من مرّ بشوارعها أو استنشق هواءها المعتق بالوفاء.

Views: 8

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى