
تقاطعاتٌ خفيّةٌ بين رحلةِ “روبين ديفيدسون”، ورحلةِ “شيريل سترايد”
هذا المقالُ ليس تلخيصًا لكتابين، ولا مقارنةً سرديّةً بين تجربتين؛ بل هو ثمرةُ قراءةٍ تأمليّةٍ هادئةٍ في كتاب (Tracks) للأستراليّةِ “روبين ديفيدسون”، وكتاب (Wild) للأمريكيّةِ “شيريل سترايد”. قراءةٌ لم تتوقفْ عند الأحداثِ، بل حاولتْ الغوصَ في ما بين السطورِ؛ في الطبقةِ الخفيّةِ التي تحرّكُ الرحلتين وتُعطيهما معناهما الحقيقيّ.
ثمة لحظةٌ في حياةِ الإنسانِ يشعرُ فيها بأن جدرانَ العالمِ تضيقُ من حولِه، وأن الأصواتَ الكثيرةَ التي تملأُ أيامَه لم تعدْ قادرةً على تهدئةِ شيءٍ في الداخلِ. وفي تلك اللحظةِ بالذاتِ، يولدُ قرارٌ غريبٌ، جريءٌ، وربما متهوّرٌ، بالخروجِ إلى مكانٍ لا يسمعُ فيه أحدٌ صوتَه سوى نفسِه. هذا ما وجدتهُ، وأنا أقرأُ رحلتين، يجمعُ بينهما رغم اختلافِ الزمانِ والمكانِ: أن الألمَ حين يشتدّ، لا يجدُ صاحبُه ملاذًا إلا في البرّيةِ.
“روبين” خرجتْ من ماضٍ عائليٍّ مضطربٍ، من بيتٍ امتلأ بالفوضى والغضبِ القديمِ. كانت رحلتُها مشروعًا واعيًا، طويلَ التخطيطِ، شاركتْ فيه الجِمالُ، والخرائطُ، والشهورُ الممتدةُ من التدريبِ. أما “شيريل” فاندفعتْ إلى الجبالِ بعد موتِ أمِّها، وانهيارِ حياتِها، وصراعِها مع الإدمانِ؛ كانت رحلتُها أشبهَ بمحاولةٍ يائسةٍ للنجاةِ من الانهيارِ الداخليّ. ورغم اختلافِ التفاصيلِ، فإن القراءةَ المتأملةَ لكلا العملين تكشفُ أن الجرحَ واحدٌ: بحثٌ عن الخلاصِ.
وفي الصفحاتِ الممتدةِ للكتابين، بدا السيرُ الطويلُ – سواء في الصحراءِ الأستراليّةِ أو على درب “المحيطِ الهادي” في أمريكا – أكثرَ من مجردِ حركةٍ جسديّةٍ. كان طقسًا تطهيريًّا، وإعادةَ ترتيبٍ للذاكرةِ، ومحاولةً هادئةً للخروجِ من ركامِ الماضي. الطبيعةُ في الرحلتين لم تكن خلفيّةً للأحداثِ، بل شريكًا صامتًا في تشكيلِ التجربةِ، ومرآةً تعكسُ ما تعجزُ المدنُ عن عكسِه.
وفي عزلةِ البرّيةِ، تسقطُ التبريراتُ. يصفو الصوتُ الداخليّ. ويصبحُ الإنسانُ أمام نفسِه مباشرةً، بلا واسطةٍ ولا قناعٍ. هذا ما تكشفُه القراءةُ التأمليّةُ لكلا النصين: أن الوحدةَ ليست فراغًا، بل فضاءً تتشكّلُ فيه الروحُ على مهلٍ، وتتعافى من جراحِها خطوةً بعد خطوةٍ.
وفي نهايةِ الطريقِ، لا يتغيرُ العالمُ كثيرًا؛ الذكرياتُ هي الذكرياتُ، والخساراتُ لا تُمحى بالمشي. لكن شيئًا آخرَ يتغيرُ: نظرةُ الإنسانِ إلى نفسِه. “روبين” خرجتْ أقوى وأصفى. و”شيريل” خرجتْ كمن وُلِدتْ من جديدٍ. وكلتاهما أدركتْ أن القوةَ التي تبحثانِ عنها لم تكن في البرّيةِ، بل في القدرةِ على مواجهةِ النفسِ في مرآةِ الطبيعةِ.
وهكذا، تكشفُ القراءةُ التأمليّةُ للكتابين أن رحلتي “روبين” و”شيريل” – رغم بعدِ المسافاتِ – تلتقيانِ عند السؤالِ نفسِه: كيف ننجو من أنفسِنا؟ وأن البرّيةَ لا تُعطي الجوابَ جاهزًا، لكنها تمنحُ الإنسانَ مساحةً ليصنعَ جوابَه بنفسِه.
فإذا أراد المرءُ أن يفهمَ حقًا ما وراء الرحلتين، عليه أن ينصتَ إلى الحكمةِ التي يجدُها في الطبيعةِ:
إذا أردتَ أن تعرفَ نفسَك… اسْرُ وحدكَ قليلًا في مكانٍ لا يسمعُك فيه أحدٌ.
كتبه:محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي
الرياض – حي العوالي
يوم الثلاثاء الساعة 8.08 مساء
4/6/1447هـ الموافق 25/11/2025م



