آداب

حين تختصر اللغة أنفاسها: الشباب ولغة النحت بين الخفة والخلل

د. مصلح البركات

في المقاهي، وفي منصات التواصل، وفي أروقة الجامعات، تتشكل لغة جديدة تتخفف من أثقالها كما يتخفف المسافر من أمتعته الزائدة.

لغةٌ ينحتها الشباب نحتًا سريعًا، لا وفق قواعد علمية راسخة كما عرفها الاشتقاق العربي عند سيبويه أو كما بسطها ابن جني في حديثه عن أسرار العربية، بل وفق حاجة اللحظة، وسرعة النقر على لوحة المفاتيح، وضيق المساحة في الرسائل والمنصات.

النحت في العربية قديمٌ في أصله؛ عرفه اللغويون حين جمعوا بين كلمتين في لفظٍ واحد مثل “بسمل” من “بسم الله”، وعدّوه بابًا من أبواب الاشتقاق، تحكمه قواعد الصوت والوزن والدلالة. أما اليوم، فالنحت الشبابي لا يسأل كثيرًا عن وزنٍ ولا عن قياس، بل يولد من رحم الاستعجال: اختزالٌ للأسماء، ودمجٌ للكلمات، وحذفٌ للحروف، حتى تغدو العبارة ومضةً سريعة لا جملةً مكتملة.

يقول أحدهم: “مبروككك” بحذفٍ وإطالةٍ في آن، ويكتب آخر: “تم” اختصارًا لسياقٍ كامل من الموافقة، ويستبدل ثالثهم عباراتٍ مطولة بحرفين أو ثلاثة. إنها لغة الاقتصاد اللغوي، حيث تسود السرعة، ويُقدَّم الإيجاز على البيان، ويُفضَّل الرمز على العبارة.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام تطورٍ طبيعي في جسد اللغة، أم أمام انزياحٍ يُضعف بنيتها؟ اللغة بطبيعتها كائنٌ حي، تنمو وتتحول، وقد شهدت العربية تحولاتٍ كبرى من العصر الجاهلي إلى عصر التدوين، ومن عصر الرسائل إلى عصر الطباعة، ثم إلى عصر الرقمنة.

لكن الفارق أن التحولات القديمة كانت تسير في سياقٍ ثقافي ومعرفي عميق، بينما يأتي كثير من النحت الشبابي اليوم بلا سندٍ علمي، ولا وعيٍ بجذور الكلمة أو أثرها الدلالي.

إن كثرة النحت العفوي قد تُنتج لغةً داخل لغة، يفهمها جيلٌ بعينه ويستعصي معناها على غيره، فتتسع الفجوة بين الأجيال، ويغدو الخطاب العام أشبه بشفراتٍ خاصة.

ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى الظاهرة بوصفها سلبيةً مطلقة؛ فهي تعبير عن حيوية الشباب، وعن رغبتهم في امتلاك لغتهم الخاصة، وصياغة هويتهم اللفظية كما يصوغون هوياتهم الاجتماعية.

المطلوب إذن ليس محاربة النحت الشبابي، ولا ترك الحبل على الغارب، بل ترسيخ وعيٍ لغوي يجعل الاختصار أداةً لا بديلاً، وزينةً لا أصلًا.

أن نُعلّم أبناءنا جمال البناء قبل مهارة الهدم، وأن نغرس فيهم أن العربية، بتاريخها الممتد، قادرة على استيعاب الجديد دون أن تفقد أصالتها.

فاللغة التي اختصرت أنفاسها اليوم، قادرةٌ غدًا أن تستعيد امتدادها، إذا وجدَت من يُحسن الإصغاء إليها، ويهذب اندفاعها، ويوازن بين روح العصر وعمق التراث.

Views: 6

‫2 تعليقات

  1. مقال رائع بروعة كاتبه، يوجه الفكر نحو ظاهرة النحت اللغوي بوصفها ظاهرة اجتماعية شبابية في لغتنا العربية، ويؤصلها بوعي رصين، ليمنح الشباب مساحة رحبة للإبداع دون الإخلال بجسد اللغة وأصالتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى