حين يصبح الكرم سيرة وطن… محمد الأبياتي الفيفي حاتمٌ يمشي على الأرض
كتب: حمد دقدقي - صحيفة بصمة أون لاين

في زوايا الجنوب، حيث تتكئ الجبال على ذاكرة الرجال، وتنبض القرى بحكايات الوفاء، يبرز اسم محمد بن حسن جبران الأبياتي الفيفي بوصفه سيرةً لا تُختصر في سطور، بل تُروى كملحمةٍ من العطاء، وكأن الكرم فيه ليس خُلُقًا مكتسبًا، بل فطرةٌ وُلدت معه وكبرت في ظله.
بيته لم يكن جدرانًا تؤوي ساكنيها، بل كان وطنًا مصغّرًا؛ ملتقى الأحبة، ومقصد العابرين، وملاذ طلاب العلم، وفسحة أملٍ للعاطلين حتى تنقضي حاجاتهم. هناك، حيث تُسكب القهوة قبل السؤال، وتُفتح القلوب قبل الأبواب، تشكّلت ملامح رجلٍ جعل من الكرم هوية، ومن البذل رسالة حياة.
بدأ مسيرته رجل أمنٍ في مرور منطقة الرياض، وهناك لم يكن مجرد موظف يؤدي واجبه، بل كان سندًا لأبناء فيفا، ووجهًا مألوفًا يحمل الطمأنينة لكل من عرفه. ثم انتقل إلى الطائف، ليواصل رحلته في خدمة وطنه، متنقلًا بين مواقع المسؤولية، حاملاً ذات الروح التي لا تعرف إلا العطاء.
رافق أخاه في رحلة المرض بين جمهورية مصر وبريطانيا، في صورةٍ تختصر معنى الوفاء حين يصبح الأخ سندًا لا يميل، وعُيّن في الملحقية، فكان واجهةً مشرفة لوطنه، كما كان دائمًا. وعلى امتداد ثمانية وثلاثين عامًا، ظل حاضرًا في ميادين الخدمة، مشاركًا في محطات مفصلية؛ من مشاركته ضمن الجيش السعودي في مهام عربية، إلى حضوره في أحداثٍ جسام، من بينها تحرير الحرم المكي الشريف من المعتدين، في موقفٍ يختصر شجاعة الرجال حين يُنادى الواجب.
ولم تكن مسيرته العسكرية إلا وجهًا من وجوه حضوره؛ فقد كان من مشايخ فيفا الذين تشرفوا بلقاء الملك فيصل، حاملين همّ أهلهم، وصوت منطقتهم، في صورةٍ تجسد صدق الانتماء وعمق الولاء.
غير أن اللقب الذي اختصر كل هذا الامتداد كان ما منحه له الناس: “حاتم زمانه”. ولم يكن لقبًا يُقال، بل حقيقةً تُعاش؛ رجلٌ يقدّم غيره على نفسه، ويمنح بلا حساب، ويترك في كل مجلسٍ أثرًا، وفي كل قلبٍ ذكرى.
من عرفوه، لم يرووا عنه مواقف عابرة، بل حكاياتٍ متكررة من الجود؛ كيف كانت مجالسه عامرة، وكيف كان حضوره طمأنينة، وكيف تحوّل عطاؤه إلى عادةٍ يومية، لا تتبدل بتبدل الأيام، ولا تنكسر أمام الظروف.
اليوم، وبعد رحلةٍ تجاوزت العقود، يقف محمد الأبياتي الفيفي شاهدًا حيًا على أن القيم حين تُصان، تصنع رجالًا يشبهون الأوطان في ثباتها واتساعها. سيرةٌ لا تخصه وحده، بل تنتمي إلى ذاكرة مجتمعٍ بأكمله، وتؤكد أن الأثر الطيب هو الباقي، وأن الكرم حين يُعاش، يتحول إلى مجدٍ يُكتب بيد العطاء… ويُخلّد في وجدان الناس






