دين ودنيا

لماذا لا نصلي رغم علمنا أن تارك الصلاة كافر؟

امتنان حسن

كيف يستقر في القلب أن الصلاة عماد الدين، وأنها الفاصل بين الإيمان والكفر، ثم تتثاقل الخطى عنها؟
كيف يمرّ على السمع قول النبي ﷺ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»، ثم ينام المرء قرير العين وكأن النداء لا يعنيه؟

إنه سؤال لا يقف عند حدود الفقه، بل يتجاوز إلى أعماق النفس. سؤال يكشف صراعًا خفيًا بين يقينٍ يعرف، وهوىً يؤجّل، وقلبٍ يتقلّب بين نورٍ يراه وظلمةٍ يألفها.

يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14].
كم من إنسانٍ يستيقن الحق في داخله، لكنه يختار الإعراض عنه؟ ليست المشكلة دائمًا في الجهل، بل في غفلةٍ متعمّدة، أو كسلٍ متراكم، أو أملٍ طويلٍ يخدّر الضمير.

“سأصلي غدًا.”
“حين أستقرّ في حياتي ألتزم.”
“الله غفور رحيم.”

هكذا تتوالى الأعذار، حتى يتحول التأجيل إلى عادة، والعادة إلى قسوة قلب. وما أخطر أن يفاجئ الموت إنسانًا وهو مؤجلٌ للقاء ربه!

الصلاة… تكليف أم حياة؟

نحن أحيانًا ننظر إلى الصلاة على أنها واجب ثقيل، بينما حقيقتها أنها راحة الروح.
كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وكان يقول: «أرحنا بها يا بلال». لم يقل أرحنا منها، بل بها. فرقٌ شاسع بين من يرى الصلاة عبئًا، ومن يراها ملاذًا.

الصلاة ليست حركاتٍ تؤدّى خوفًا من العقاب، بل صلةٌ مباشرة بين العبد وربه. خمس محطات يومية تُعيد ترتيب الفوضى في الداخل، تُغسل بها الهموم، ويُرمم بها القلب المتعب.

من زاوية النفس البشرية

الإنسان بطبعه يميل إلى تأجيل ما يظنه شاقًا. إنها آلية نفسية معروفة؛ يؤجل الطالب المذاكرة، ويؤخر المريض زيارة الطبيب، مع علمه بالعواقب. كذلك من يؤخر الصلاة: يعلم أنها فرض ونجاة، لكنه يخدع نفسه بتأجيلٍ قاتل.

والقرآن وصف حالًا مشابهًا بقوله تعالى:
﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: 142].
إنه كسلٌ لا في الجسد فحسب، بل في الهمّة والنية.

ثم يأتي طول الأمل، فيُصوّر الموت بعيدًا، والآخرة مؤجلة، وكأن الإنسان ضمن الغد! وهنا مكمن الخطر.

صراع داخلي لا يُرى

الذي لا يصلي يعيش صراعًا صامتًا:
عقلٌ يذكّره بالخطر، ونفسٌ تسوّف، وشيطانٌ يهوّن.
يمر العمر بين “سأفعل” و”لاحقًا”، حتى يُطوى السجل.

لكن الحقيقة البسيطة التي نهرب منها:
الصلاة ليست عبئًا يُثقِل الحياة، بل هي التي ترفعها.
ليست قيدًا، بل جسرًا.
ليست خسارة وقت، بل بركة وقت.

وقفة صدق

عزيزي القارئ…
لا تؤجل صلاتك إلى غد، فقد لا يأتي الغد.
لا تجعل بينك وبين الله فجوة اسمها “التسويف”.
إن كنت قصّرت، فالباب مفتوح. وإن ضعفت، فالله يعلم ضعفك وينتظر عودتك.

ابدأ الآن. توضأ. قف بين يدي ربك. قل:
“اللهم إني تبت إليك، فردّني إليك ردًا جميلًا.”

وحين تصلي بصدق، ستدرك أن السؤال لم يكن: لماذا نصلي؟
بل: كيف كنا نعيش بلا صلاة؟

فيا نفس… صلّي قبل أن يُصلّى عليك، وعودي إلى مولاك قبل أن تُردّي إليه.
والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

Views: 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى