
في مساءات الحنين، حين يتكئ الشعر على ذاكرته، ويمدُّ الأدب يده نحو قمم الحرف الشاهقة، يغيب وجهٌ من وجوه النور.
وجهُ الأديب الشاعر محمد بن مسعود بن يحيى العبدلي الفيفي، أحد أصوات فيفاء الأدبية، الذين نقشُوا على صخر الذاكرة قصائد من ذهب، ورحلوا في صمت يشبه رقيّهم وسموّهم.
لقد ودَّعت فيفاء، فارساً من فرسان القلم، وعلماً من أعلام الشعر، بعد معاناة طويلة مع المرض، كانت فيها روحه أكبر من أوجاع الجسد، ونبضه الشعري أقوى من خفوت النبض الجسدي.
عانى بصبر، وواجه المرض بصمت، كما يفعل الكبار حين يُجرِّدهم الألم من كل شيء إلا الكرامة.
الأستاذ محمد بن مسعود العبدلي لم يكن مجرد شاعرٍ يكتب، بل كان روحاً متوهجة بالحرف، وذاكرة ناطقة بالمجد، وناقداً ذا بصيرة لا تخطئ، وذائقة تسبق زمانها.
كان فارس البيان، فصيح اللسان، ألمعي الفكر، مبدعاً في حديثه كما في صمته، وفي سطوره كما في حضوره.
رغم غناه الفكري، وثرائه الشعري، لم يُنشر من إرثه الكبير إلا ديوانٌ واحد، حمل عنوانًا رقيقًا عذبًا كصاحبه: “أغنيات الوراد” ذلكم الديوان الذي اختزل فيه الكثير من محطاته الحياتية، وسكب فيه من وجدانه ما يفيض عن حاجتنا إلى الجمال.
قصائدُ فصيحةُ المبنى، ساميةُ المعنى، فيها من روح فيفاء ما يشبه النسيم على جنبات جبل، ومن ذاكرة الجنوب ما يشبه الحنين لأمٍّ قديمة.
ما لم يُنشر من إرثه، هو كنز ينتظر من يفتحه، ويضيء للعالم جمال هذا الرجل، وإنصافه بعد الرحيل.
فكم من مخطوط لا يزال حبيس الأوراق، ورهين الأدراج، وكم من حكاية لم تُروَ بعد، وكم من قصيدة لم تخرج إلى فضاء النور.
لم يكن الأديب محمد بن مسعود العبدلي شاعرًا عابرًا، بل كان مدرسة في الذوق، وفلسفة في التعبير، وإشراقًا في الحرف.
في كلماته تجد صفاء الروح، وحرارة الصدق، ونبل الرسالة.
كان يرى في الشعر هوية، وفي الأدب وسيلة للبناء لا للهدم، وللسمو لا للسجال.
رحل محمد بن مسعود العبدلي، وبقيت كلماته شاهدة على حضوره، باقية كجبال فيفاء، راسخة كأخلاقه، شامخة كأحلامه.
وإن كان الموت قد غيَّبه، فإن الأدب لا يموت، وإن غاب الجسد، فإن الأثر لا يُغيب.
رحمك الله أديب فيفاء، يا من كانت الحروف على شفتيك وطنًا، والقصائد في يديك أمانة، والصدق فيك سمتًا لا يُشترى ولا يُصطنع.
عزاؤنا فيك ديوانك، وذكراك، ومحبتك التي لا تزول من قلوب من عرفوك.
وإننا لنرجو من أهلك ومحبيك، ومن الجهات المعنية، أن يسعوا لإخراج إرثك إلى العلن، لتكون روحك في عليائك مطمئنة أن الكلمة التي عشت لها، لم تُدفن معك، وداعًا أيها الأديب النبيل.
رحيل أديب فيفاء
بقلم
عيسى بن سليمان الفيفي
2 / 2 / 1447هـ



