مقالات

رحيل أديب فيفاء

بقلم :عيسى بن سليمان الفيفي

في مساءات الحنين، حين يتكئ الشعر على ذاكرته، ويمدُّ الأدب يده نحو ‏قمم الحرف الشاهقة، يغيب وجهٌ من وجوه النور.‏

وجهُ الأديب الشاعر محمد بن مسعود بن يحيى العبدلي الفيفي، أحد ‏أصوات فيفاء الأدبية، الذين نقشُوا على صخر الذاكرة قصائد من ذهب، ‏ورحلوا في صمت يشبه رقيّهم وسموّهم‎.‎

لقد ودَّعت فيفاء، فارساً من فرسان القلم، وعلماً من أعلام الشعر، بعد ‏معاناة طويلة مع المرض، كانت فيها روحه أكبر من أوجاع الجسد، ‏ونبضه الشعري أقوى من خفوت النبض الجسدي. ‏

عانى بصبر، وواجه المرض بصمت، كما يفعل الكبار حين يُجرِّدهم الألم ‏من كل شيء إلا الكرامة‎.‎

الأستاذ محمد بن مسعود العبدلي لم يكن مجرد شاعرٍ يكتب، بل كان روحاً ‏متوهجة بالحرف، وذاكرة ناطقة بالمجد، وناقداً ذا بصيرة لا تخطئ، ‏وذائقة تسبق زمانها. ‏

كان فارس البيان، فصيح اللسان، ألمعي الفكر، مبدعاً في حديثه كما في ‏صمته، وفي سطوره كما في حضوره‎.‎

رغم غناه الفكري، وثرائه الشعري، لم يُنشر من إرثه الكبير إلا ديوانٌ ‏واحد، حمل عنوانًا رقيقًا عذبًا كصاحبه: “أغنيات الوراد” ذلكم الديوان ‏الذي اختزل فيه الكثير من محطاته الحياتية، وسكب فيه من وجدانه ما ‏يفيض عن حاجتنا إلى الجمال. ‏

قصائدُ فصيحةُ المبنى، ساميةُ المعنى، فيها من روح فيفاء ما يشبه النسيم ‏على جنبات جبل، ومن ذاكرة الجنوب ما يشبه الحنين لأمٍّ قديمة‎.‎

ما لم يُنشر من إرثه، هو كنز ينتظر من يفتحه، ويضيء للعالم جمال هذا ‏الرجل، وإنصافه بعد الرحيل. ‏

فكم من مخطوط لا يزال حبيس الأوراق، ورهين الأدراج، وكم من ‏حكاية لم تُروَ بعد، وكم من قصيدة لم تخرج إلى فضاء النور‎.‎

لم يكن الأديب محمد بن مسعود العبدلي شاعرًا عابرًا، بل كان مدرسة في ‏الذوق، وفلسفة في التعبير، وإشراقًا في الحرف. ‏

في كلماته تجد صفاء الروح، وحرارة الصدق، ونبل الرسالة. ‏

كان يرى في الشعر هوية، وفي الأدب وسيلة للبناء لا للهدم، وللسمو لا ‏للسجال‎.‎

رحل محمد بن مسعود العبدلي، وبقيت كلماته شاهدة على حضوره، باقية ‏كجبال فيفاء، راسخة كأخلاقه، شامخة كأحلامه. ‏

وإن كان الموت قد غيَّبه، فإن الأدب لا يموت، وإن غاب الجسد، فإن ‏الأثر لا يُغيب‎.‎

رحمك الله أديب فيفاء، يا من كانت الحروف على شفتيك وطنًا، ‏والقصائد في يديك أمانة، والصدق فيك سمتًا لا يُشترى ولا يُصطنع. ‏

عزاؤنا فيك ديوانك، وذكراك، ومحبتك التي لا تزول من قلوب من ‏عرفوك‎.‎

وإننا لنرجو من أهلك ومحبيك، ومن الجهات المعنية، أن يسعوا لإخراج ‏إرثك إلى العلن، لتكون روحك في عليائك مطمئنة أن الكلمة التي ‏عشت لها، لم تُدفن معك، وداعًا أيها الأديب النبيل.‏

رحيل أديب فيفاء

بقلم
عيسى بن سليمان الفيفي
‏2 / 2 / 1447هـ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى