
في مساءٍ رمضانيٍ تفيض أجواؤه بالسكينة وتتعانق فيه رائحة الطعام مع عبق الذكريات، كانت زيارتي الأولى إلى سوق الأولين الرمضاني بمدينة جازان في السابع والعشرين من رمضان 2026م؛ زيارةٌ تشبه العودة إلى زمنٍ جميل، حيث البساطة، وحيث يلتقي الناس حول تفاصيل الحياة الصغيرة التي تصنع الفرح.
ومنذ اللحظة الأولى للدخول، بدت ملامح التنظيم واضحة؛ فقد حددت الخطط المرورية مسار الدخول من الجهة الجنوبية للسوق، حيث المساحات الواسعة التي تتيح للزوار إيقاف مركباتهم بسهولة ويسر، رغم أن الأرض ما تزال غير مسفلتة. غير أن ذلك لم يحجب حيوية المكان، بل بدا المشهد كلوحةٍ شعبيةٍ نابضة بالحياة.
ومع التقدم نحو أروقة السوق، تتكشف للزائر صفوف مواقع البيع وقد انتظمت في ترتيبٍ جميل يعكس عناية القائمين عليه، فيما تتنوع المعروضات لتلبي احتياجات الصائمين قبيل الإفطار. وتشارك في هذا الحراك الاقتصادي والاجتماعي طاقات شابة من أبناء وبنات المنطقة، ممن وجدوا في السوق فرصة للعمل والمشاركة في إحياء هذا المشهد الرمضاني.
أما بوابات السوق، الممتدة من الجهتين الشرقية والشمالية، فتستقبل الزوار بزخارف تحمل الطابع المعماري والتراثي للمنطقة، وكأنها دعوة مفتوحة للدخول إلى مساحةٍ تختلط فيها الذاكرة بالحاضر. وفي الداخل، تتوزع روائح المأكولات الشعبية التي طالما ارتبطت بمائدة الإفطار في جازان؛ السمبوسة المقرمشة، والزلابية الحلوة، واللحوح الساخن، والحلبة، والدجر، إلى جانب الأسماك الطازجة وخبز التنور والتمور والعصائر الطبيعية. مشهدٌ يختصر ذاكرة المكان، ويعيد للأذهان صور الموائد الرمضانية القديمة التي كانت تجمع العائلة والجيران.
ولا يقتصر السوق على كونه فضاءً للتسوق فحسب، بل يتحول مع اقتراب أذان المغرب إلى ملتقى اجتماعي نابض بالحياة، حيث يتبادل الزوار التحايا والأحاديث، ويتجدد اللقاء بين الأصدقاء والزملاء في أجواءٍ يظلّلها دفء الشهر الكريم.
ويؤكد عدد من البائعين ومنهم عدنان الصافي أن مشاركتهم في السوق لا تقتصر على البيع، بل تمثل فرصة سنوية لإحياء التراث الشعبي وتعزيز روح التواصل بين أبناء المجتمع، فيما يرى المتسوقون أن السوق أصبح أحد أبرز معالم رمضان في مدينة جازان، ومقصداً تتجدد زيارته كل عام. وتواصل أمانة منطقة جازان الإشراف على تنظيم السوق ومتابعة جودة المنتجات وسلامتها، إلى جانب التنسيق مع الجهات الأمنية لتنظيم الحركة المرورية في محيطه، بما يضمن للزوار تجربة تسوق آمنة ومريحة.
وهكذا يبقى سوق الأولين الرمضاني أكثر من مجرد سوق؛ إنه حكاية مجتمع، وذاكرة مدينة، ونافذة تطل منها جازان على ماضيها الجميل، في ليالٍ رمضانيةٍ يختلط فيها صوت الباعة بخطوات الزوار، وتبقى فيها روح المكان شاهدة على دفء الإنسان












