الأخبار

عندما يرقص التراث على مسرح القرية… ويصبح الزائر جزءًا من الحكاية

كتب: حمد دقدقي - صحيفة بصمة أون لاين

في قلب قرية جازان التراثية، لا تُعرض الفنون الشعبية بوصفها مشاهد للفرجة فقط، بل كدعوةٍ مفتوحة للدخول إلى عمق الهوية… حيث يتحوّل المسرح إلى ذاكرة حيّة، ويغدو الزائر شاهدًا ومشاركًا في آنٍ واحد، خاصة في المواسم الوطنية التي تتوهّج فيها الأرواح كما تتوهّج الأهازيج.

هنا، تبرز الفنون الشعبية كنجومٍ تتلألأ في سماء المكان، ويأتي “العزاوي” في مقدمتها، حاملاً روح الجماعة ووهج الانتماء، ممتدًا بجذوره نحو صبيا والقمري والحقو والمعبوج وأبو عريش وما حولها… حيث لا تزال أصداؤه تنبض بأسماءٍ صنعت مجده، مثل القرامشة وآل أبو طيرة. وعلى المسرح، لا يقف العزاوي عند حدود الأداء، بل يتجاوزها ليجذب الزوار، الذين يجدون أنفسهم منجذبين إلى صفوفه، يرددون كلماته، ويشاركون إيقاعه، كأنهم يستعيدون جزءًا من ذاكرتهم الجماعية.

أما العرضة، فهي لحظةُ فخرٍ تتجسد أمام العيون، تتراقص فيها السيوف على إيقاع الطبول، وتتوحد فيها الخطى كنبضٍ واحد، في مشهدٍ تشتهر به مدينة جازان وجزر فرسان. وعلى مسرح القرية، تتحول العرضة إلى طقسٍ تفاعلي، حيث لا يكتفي الزوار بالمشاهدة، بل ينخرطون في التجربة، يرفعون أصواتهم مع المؤدين، ويعيشون لحظة الانتماء بكل تفاصيلها.

ويأتي فن الزامل، بصورتيه البحرية والبرية، ليضيف بعدًا آخر لهذا المشهد الثقافي؛ حيث تتداخل أصوات البحر مع نداءات البر، في تناغمٍ يعكس تنوّع بيئة جازان. وما إن يبدأ الزامل، حتى تتقارب المسافات بين المؤدين والزوار، فيشاركونهم الترديد، ويجدون أنفسهم جزءًا من هذا النسيج الصوتي الذي لا يُفصل فيه بين مؤدٍ ومتلقٍ.

وفي عمق هذا الحضور، يبرز “الكاسر” كلوحةٍ بحريةٍ نابضة، يستحضر تفاصيل الفرح القديمة، خاصة في طقوس الزواج عند رفع شراع “الخدرة”. وعلى المسرح، لا يُقدَّم الكاسر كعرضٍ فني فحسب، بل كحكايةٍ حيّة، تجعل الزائر يشعر وكأنه يقف على شاطئٍ قديم، يشارك أهله أفراحهم، ويردد أهازيجهم.

هكذا، تنجح قرية جازان التراثية في تحويل الفنون الشعبية من إرثٍ محفوظ إلى تجربةٍ معاشة… حيث لا يبقى الزائر متفرجًا، بل يصبح جزءًا من الإيقاع، وصوتًا ضمن الجوقة، وخطوةً في رقصة التراث.

إنها ليست مجرد عروضٍ تُقدَّم، بل لحظات تُعاش… حيث يلتقي الماضي بالحاضر، وتُكتب الهوية من جديد، لا بالحبر، بل بالحركة والصوت والوجدان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى