فيفاء… عيدٌ يولد من الغيم ويُروى على مائدة الجبل

أ- حمد دقدقي- صحيفة بصمة اون لاين
في أعالي جبال فيفاء، حيث تقترب السماء حتى تكاد تُلامس أطراف الحكايات، لا يأتي عيد الفطر كضيفٍ عابر، بل يولد من رحم الطبيعة، ويكبر بين الغيم، ويستقر في القلوب قبل البيوت. هناك، في ذلك العلوّ .
المدهش، تتشكل للعيد ملامح لا تُشبه سواها، ملامح يخطّها الضباب، وتُعطّرها رائحة البخور، وتُردّدها الجبال صدىً للتكبيرات.
مع اطلالة صباح العيد، تبدو فيفاء وكأنها لوحة حيّة؛ المدرجات الزراعية تتدرج على السفوح كأنها سلالم نحو السماء، والطرقات تلتف بهدوءٍ بين القمم، تقود العابرين إلى الفرح كما تقودهم إلى البيوت. الضباب هنا لا يحجب الرؤية، بل يمنحها عمقاً روحياً، يلفّ المآذن ويحتضن المنازل، في مشهدٍ يفيض بالسكينة والجمال.
وفي تلك اللحظات، تمتزج أصوات التكبير بصفاء المكان، فتتردد بين الجبال بنقاءٍ مضاعف، كأن الطبيعة تُشارك الأهالي فرحتهم، وتُعيد صياغة الصوت ليصبح أكثر قرباً من السماء. يتحرك الناس بملابسهم الزاهية، كألوانٍ نابضة في حضن الطبيعة، ينشرون البهجة، ويصنعون من تفاصيل العيد ذاكرةً لا تغيب.
المجالس في فيفا ليست مجرد أماكن للقاء، بل مطلّات على الروح، مفتوحة على اتساع الجبل. هناك، يتبادل الأهالي التهاني في فضاءاتٍ تعانق الغيم، وتدور فناجين القهوة السعودية بنكهة الأرض، تحمل في كل رشفة تاريخاً من الكفاح وصدق الانتماء. تتناثر بجوارها حبات اللوز والزبيب، تفاصيل بسيطة، لكنها تختصر كرم المكان ودفء أهله.
الأحاديث تنساب بلهجتهم المحلية، تلك اللغة التي لا تُترجم بقدر ما تُحسّ، كلماتٌ تتراقص بين الضحكات، وتحتفظ بسرّ المكان، كأنها ميراثٌ لا يُكتب، بل يُعاش جيلاً بعد جيل. في تلك المجالس، لا تُقال التهاني فقط، بل تُتبادل الحياة بكل ما فيها من صفاء وصدق.
وقبيل أذان الظهر، تبدأ حكاية أخرى، تُروى على مائدة العيد. سفرةٌ عامرة تتوسطها أطباق الحنيذ والعصيد والمرق والمرسة، روائحها تعبق في الأرجاء، وتختلط بأنفاس الجبل، حتى يصبح الهواء نفسه وليمةً مفتوحة. كل طبق يحمل بصمة الأرض، وصبر الإنسان، وذاكرة المواسم.
وفي قلب هذه المائدة، تبرز “الكوعبه ” كرمزٍ بسيطٍ وعميق؛ كرةٌ من الخبز الرطب تُشكّل بحب، وتُغمس في المرق، فتتحول إلى لحظةٍ جامعة، تذيب الفوارق، وتوحّد الجميع حول ذات اللقمة وذات الشعور. ليست مجرد عادة، بل طقسٌ إنساني يختصر معنى المشاركة، ويمنح الطعام روحاً تتجاوز كونه غذاءً.
هناك، قبل أن يعلو الأذان، يتوقف الزمن قليلاً… تتعالى الضحكات، وتُروى الحكايات، وتقترب القلوب أكثر مما تسمح به المسافات. في فيفا، لا يكون العيد يوماً عابراً، بل تجربة متكاملة، تُعاش بالحواس كلها، وتُحفظ في الذاكرة كواحدةٍ من أنقى صور الفرح.
إنه عيدٌ يولد في القمم، ويظل معلقاً بين الغيم والبخور، حيث تعرف السماء كيف تحتضن الفرح… وتعرف الأرض كيف ترويه.








- معايدة الخبرايه في أجواء أخوية بقرية الجوه
- مُثقفون: “ملتقى قراءة النص” علامةٌ بارزةٌ ومنصةٌ ثقافيةٌ .
- إطلالة الخطم بفيفاء تحتفل بعيد الفطر وسط أجواء مميزة
- أبناء الشيخ أحمد أسعد العبدلي يحتفلون بعيد الفطر بمحافظة فيفاء
- مكتب جمعية المتقاعدين بصامطة يوزع باقات ورد احتفاءً بعيد الفطر 1447هـ



