مقالات

قراءة في الشخصية الانتهازية

كتبه لصحيفة بصمة اون لاين
أ – محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

ليست كلُّ صلةٍ ضمانًا لنقاء القلب، ولا كلُّ كلمةِ ودٍّ تعني صدق الشعور. فثَمَّة نمطٌ من البشر لا يقترب إلا بقدر ما يرى في الاقتراب منفعة، ولا يُظهر عنايةً إلا حين تكون العناية طريقًا إلى غرضٍ يريده، ولا يفتح باب التواصل إلا بقدر ما يخدم حاجته هو، لا مقتضى العلاقة نفسها.

هذه الشخصية لا تنظر إلى العلاقات بوصفها روابط إنسانية تقوم على المودّة والاحترام المتبادل، بل تراها مجالًا للاستعمال المؤقّت؛ تُفَعَّل عند الحاجة، وتُعطَّل عند انتهائها. وقد تُحسن أداء أدوار القرب: أخًا مشفقًا، أو قريبًا مهتمًا، أو صديقًا حاضرًا عند الطلب، غير أنّ هذا الحضور في حقيقته حضورُ وظيفةٍ لا حضورُ علاقة.


وما يميّز هذا النمط ليس وقوع الخطأ عَرَضًا، بل ثبات الأسلوب وتكرار النمط: اقترابٌ مفاجئ، ولطفٌ ظاهر، ووعودٌ مُرضية، ثم انتفاعٌ صريح أو خفي، يعقبه انسحابٌ بارد، يترك في النفس أثر خيبةٍ لا تخطئه التجربة، وجرحًا في الثقة لا يُمحى بسهولة.


والأشد أثرًا من ذلك كلّه ما يتّصل بالتلاعب العاطفي؛ إذ تُحسن هذه الشخصية مخاطبة الحاجة الطبيعية لدى الإنسان إلى القبول والتقدير، فتوقظ الأمل في موضعه الحساس، ثم تجعل من هذا الأمل نفسه وسيلةً للانتفاع. تمنحك إحساسًا مؤقتًا بالمكانة، لا ليبقى، بل ليُستثمر، ثم ينقطع أثره فجأة كأن لم يكن.


وغالبًا ما يتداخل في هذا السلوك عنصران خفيّان: غيرةٌ لا تُصرَّح، ورغبةٌ في السيطرة لا تُعلن. فلا يَسْهُل على صاحب هذا النمط أن يرى غيره مستقرًّا أو ناجحًا دون أن يسعى – بوسائل غير مباشرة – إلى إرباكه، أو التقليل من أثره، أو استنزاف طاقته. وقد يتجاوز حدود اللياقة دون تردّد، متدخّلًا فيما لا يعنيه، رافعًا صوته، أو مسوِّغًا سلوكه بأعذارٍ لا تصمد أمام النظر الهادئ.


والمُربك في هذا كلّه أنّ هذه الشخصية قد تتكئ في خطابها على مفردات القيم الكبرى: العائلة، والأخوّة، والترابط، والصداقة؛ غير أنّ الفعل العملي يأتي في اتجاهٍ آخر. وهنا تنشأ الحيرة لدى من حولها: أَنُصَدِّق اللغة المعلَنة أم نقرأ السلوك الواقعي؟ والحقيقة أنّ الميزان في مثل هذه المواطن إنما يكون للسلوك لا للشعار.


ولا تتغيّر هذه الشخصية بسهولة؛ لأنها في الغالب لا ترى في سلوكها موضع مراجعة أصلًا، بل قد تعمد إلى قلب المواقف، وإعادة ترتيب الرواية، لتضع نفسها في موقع المتضرّر، وتتفادى بذلك أي مساءلةٍ حقيقية.
ومن هنا فإنّ التعامل المتزن معها لا يقوم على الإكثار من العتاب، ولا على استنزاف النفس في محاولات إصلاحٍ كإصلاح بيتٍ لا يقوم أصلًا على بنيانٍ صالح، وإنما يقوم على رسم حدودٍ واضحةٍ وصريحة، تحفظ الكرامة، وتصون الاستقرار النفسي، وتمنع تكرار الاستغلال.


وليس كل ابتعادٍ قطيعةً مذمومة؛ فقد يكون أحيانًا فعلًا واعيًا من أفعال حماية النفس، وقرارًا مسؤولًا بإغلاق باب علاقةٍ تستنزف طاقة النفس أكثر مما تضيف. فالعلاقات السليمة لا تقوم على الأخذ المجرد، ولا على الأقنعة المتبدّلة، وإنما تقوم على احترامٍ متبادلٍ يثبت مع الزمن.


وفي النهاية، ليست القوة في احتمال الأذى إلى ما لا نهاية، بل في القدرة على وضع الحدّ حين يجب أن يُوضَع. وليست الكرامة في كثرة من حول الإنسان، بل في حسن أخلاق من يختار بقاءهم في دائرته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى