آداب

نحنُ التراثُ الحيّ حين تتكئ الذاكرة على المستقبل في جيزان

جازان - حمد دقدقي

في مساءٍ جيزانيٍّ مفعمٍ بروح المكان، حيث يلتقي البحر بالجبل وتتنفّس الذاكرة في تفاصيل الحياة، نظّمت جمعية التراث غير المادي ورشة عمل بعنوان «نحن التراث الحيّ: تطلعات وتحديات»، وذلك بفندق كارت بارت بمدينة جيزان مساء يوم الاثنين 3 نوفمبر 2026نخبةٍ من أعضاء الجمعية، يتقدّمهم الرئيس التنفيذي، إلى جانب عددٍ من المهتمين والمهتمات بالتراث غير المادي من مثقفين وأدباء وأكاديميين وأعضاء هيئة التدريس بجامعة جازان.

استُهلّت الورشة بترحيبٍ دافئ قدّمه مدير الحوار الأستاذ عيسى محمد غزاوي، الذي أكّد في كلمته على أهمية هذه اللقاءات النوعية، بوصفها منصّة حوارية تعيد طرح الأسئلة الكبرى حول الهوية، وتفتح النوافذ أمام الوعي المجتمعي بدور التراث غير المادي في تشكيل الحاضر وصناعة المستقبل. وقدّمت الجمعية خلال الورشة عرضًا مرئيًا استعرض رؤيتها وأهدافها، والمجالات التي تندرج ضمن اهتمامها، في مشهدٍ عكس طموحًا مؤسسيًا يسعى إلى تحويل التراث من ذاكرةٍ صامتة إلى فعلٍ حيٍّ متجدّد.

وتحدّث غزاوي بعدها عن الجمعية، مقدّمًا نبذة مختصرة عن مهامها وبرامجها، والورش التعريفية التي نفّذتها، في إطار سعيها إلى بناء جسور التواصل بين الممارسين والباحثين والمهتمين بالتراث غير المادي. كما توقّف عند خصوصية منطقة جازان، بوصفها إحدى أغنى مناطق المملكة بموروثها غير المادي، بما تحمله من تقاليد متجذّرة، وفنون أدائية، وممارسات اجتماعية، ومعارف بيئية، وحِرفٍ تقليدية تشكّل معًا نسيجًا حيًّا للهوية البصرية والثقافية.

وفي محورٍ وجدانيٍّ عميق، استهلّ الشاعر والأديب محمد النعمي حديثه عن أهمية الدعم، ودور الشباب في حمل راية التراث، مؤكدًا أن الموروث لا يعيش إلا بمن يؤمن به ويمارسه ويعيد تقديمه بلغة العصر. وتوالت بعد ذلك مداخلات المشاركين، حيث طُرحت تساؤلات حول مستقبل التراث غير المادي، وأشكال توثيقه، وآليات صيانته، والتحديات التي تواجهه في ظل التحوّلات المتسارعة.

وشهدت الورشة حراكًا فكريًا ثريًا، تنوّعت فيه الآراء وتعدّدت المقترحات، حيث قدّم بعض المشاركين أفكارًا مبتكرة تسهم في إحياء التراث وتعزيز حضوره، مع تسليط الضوء على الدور المحوري الذي تؤديه الجمعية في دعم الممارسين والمحافظة على هذا الإرث الإنساني. كما شارك عدد من الأكاديميين برؤى علمية تناولت التطلعات والتحديات، مؤكدين أهمية التكامل بين البحث الأكاديمي والعمل الميداني.

وفي ختام الورشة، أجابت المديرة التنفيذية للجمعية على الأسئلة والاستفسارات، مرحّبةً بما طُرح من أفكار ومقترحات، ومؤكدةً أن الجمعية تنظر إليها بعين الاهتمام، وستعمل على دراستها والأخذ بما يسهم في خدمة التراث غير المادي وصونه للأجيال القادمة.

هكذا، لم تكن الورشة مجرّد لقاءٍ عابر، بل كانت مساحة وعيٍ وحوار، أكّدت أن التراث غير المادي ليس ماضيًا يُروى، بل روحًا تُعاش… وأننا، بالفعل، نحن التراث الحيّ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى