آداب

هناء الشبلي … من ضحكة التشكيك إلى مشهد الانتصار

حين رأت المستقبل مبكرًا، وكان الآخرون لا يرون في الفن الرقمي سوى خروجٍ على المألوف

الإعلامي حامد الطلحي الهذلي – صحيفة بصمة اون لاين

ليست كل المعارك تُخاض بالصوت العالي، ولا كل الانتصارات تُنتزع في لحظتها.

فهناك انتصارات من طرازٍ آخر، تبدأ بفكرةٍ يستهين بها الآخرون، وتمضي بصمتٍ واثقٍ حتى يأتي الزمن نفسه ليقف شاهدًا لها، ومصفقًا بين يديها.

وهذا تمامًا ما تكشفه شهادة الدكتورة هناء الشبلي، وهي تروي واحدةً من أكثر اللحظات دلالةً في مسار الفن الرقمي السعودي؛ لحظةٌ قال فيها أحد فناني الجيل الأول إن الرسم بالحاسب الآلي سيسقط هيبة الفن، وإن اللوحات الرقمية لن يكون لها مكان في المعارض التشكيلية، بينما كانت هي ترى، ببصيرة من يقرأ ما وراء الأفق، أن العالم يتجه إلى زمنٍ جديد، وأن الفنان الرقمي لن يكون هامشًا في هذا التحول، بل أحد أبرز صُنّاعه.

ما كتبته الدكتورة هناء الشبلي ليس مجرد تغريدة، ولا حكاية ذاتية تُروى على سبيل الذكرى، بل هو نصٌّ ثقافيٌّ كاشف، يختصر صراعًا طويلًا بين الوعي الجامد والوعي المستشرف، بين من يخاف التحوّل لأنه يهدد مألوفه، ومن يرحب به لأنه يدرك أن الإبداع لا يفقد هيبته حين تتطور أدواته، بل تتسع مملكته، وتتجدد لغته، ويزداد حضوره في حياة الناس.

في عام 2010، وأثناء تحضيرها للدكتوراه في الفن الرقمي، واجهت الدكتورة هناء ذلك الحكم التقليدي الذي كان يرى في التقنية خصمًا للفن، لا امتدادًا له.

لكنها لم تتردد، ولم تنكفئ أمام هذا التصور القديم، بل أجابت بثقة لافتة: إن المستقبل سيكون مختلفًا، وإن ذكاء الحاسب سيتداخل مع تفاصيل حياتنا، وإن الفنان والمصمم الرقمي سيكونان من أكثر التخصصات تأثيرًا وطلبًا.

لم يكن ذلك مجرد تفاؤل عابر، بل كان إعلانًا مبكرًا لرؤيةٍ استشرافية أدركت قبل كثيرين أن العالم مقبل على تحوّل جذري، وأن من لا يستعد لهذا التحول سيبقى أسير الأمس، ولو ظن أنه يحرس هيبة الفن.

ثم جاءت السنوات، وجاء معها المشهد الذي تختصر فيه الحياة مفارقاتها بأبلغ صورة: ذلك الفنان ذاته، الذي قابل الفكرة يومًا بالضحك، عاد بعد عشر سنوات ليقول بفخر إن ابنته الصغيرة تخصصت في الفنون الرقمية، وإنه صار يرى أعمالها بإعجاب.

وهنا لا يصبح الأمر مجرد موقف طريف، بل لحظة رمزية كبرى، تؤكد أن الزمن قد ينحاز متأخرًا، لكنه في النهاية لا يخون أصحاب البصيرة.

أن ما يُقابل أول الأمر بالاستهجان، قد يغدو بعد حين مصدر فخرٍ واعتزاز، حين يثبت الواقع أن الرؤية الصادقة كانت أسبق من الجميع.

غير أن أهمية ما طرحته الدكتورة هناء الشبلي لا تقف عند حدود الانتصار الشخصي أو المعنوي، بل تتجاوز ذلك إلى مساحة أوسع وأعمق، لأنها تربط هذه الرحلة المبكرة بمسار المملكة وهي تؤسس اليوم نهضة ثقافية ومعرفية غير مسبوقة.

فحديثها عن مشاركتها كفنانة رقمية في أول معرض رقمي جماعي عام 2009، بصفتها من مؤسسي مجموعة الفن الرقمي التي طالبت منذ ذلك الوقت بتبني الفنون الرقمية ضمن المعارض والمسابقات، يكشف أن ما نراه اليوم من حضورٍ مؤسسي للفنون الرقمية لم يولد فجأة، بل سبقته أصوات مؤمنة، وتجارب جريئة، ومواقف دفعت ثمن إيمانها بالمستقبل في وقت لم يكن المستقبل نفسه قد وصل بعد.

وهنا تتجلّى قيمة هذا الطرح: فهو لا يكتفي بتوثيق التحول، بل يذكّر بأن الريادة لا تبدأ حين يتفق الجميع، بل تبدأ حين يقف القليل في وجه السائد، ويقولون ما لا يجرؤ عليه غيرهم، ثم يثبت الزمن أنهم كانوا الأبعد نظرًا، والأصدق قراءةً، والأقرب إلى روح العصر.

وحين تشير الدكتورة هناء الشبلي إلى ما أعلن عنه سمو وزير الثقافة من إنشاء جامعة الرياض للفنون بكليات متخصصة تشمل الفنون الرقمية، فإنها لا تحتفي بحدثٍ عابر، بل تقرأ فيه تتويجًا لمسارٍ طويل، وانتصارًا لفكرةٍ كانت يومًا موضع تردد، ثم أصبحت اليوم جزءًا من البناء الثقافي الوطني الحديث.

وهذا التحول لا يعني مجرد إضافة تخصص جديد، بل يعني أن المملكة تمضي نحو تأسيس بيئة معرفية وفنية تستوعب أدوات المستقبل، وتمنح الأجيال الجديدة مساحة أوسع للتعلم والابتكار وصناعة أثرها في عالمٍ تتغير فيه اللغة البصرية بسرعة مدهشة.

وتبلغ هذه الشهادة ذروتها حين تربط بين الفنون الرقمية والذكاء الاصطناعي، ذلك التحول الذي وصفته الدكتورة هناء الشبلي بأنه “زلزال مخيف” سيطر على حياة البشر. غير أن قيمة الطرح هنا تكمن في أنه لا يكتفي بإثارة القلق، بل يقدّم موقفًا واعيًا يدعو إلى الفهم والاستعداد والتمكين، وإلى بناء جيلٍ قادرٍ على قيادة التقنية لا الارتهان لها، وصياغة فنٍّ إنسانيٍّ جديدٍ لا يذوب في الخوارزميات، بل يحسن استخدامها دون أن يفقد روحه.

إن هذا النص لا يخص الفن وحده، بل يخص معنى الريادة ذاته. يخص أولئك الذين يؤمنون بما سيأتي قبل أن تراه العيون، ويتمسكون بالفكرة قبل أن تصبح موضة، ويواصلون الدفاع عنها حتى تتحول إلى سياسة، ومؤسسة، ومشهد، وهوية.

ولهذا فإن الدكتورة هناء الشبلي لا تظهر في هذا السياق بوصفها مجرد فنانة أو أكاديمية، بل بوصفها صوتًا من الأصوات التي آمنت مبكرًا بأن الثقافة السعودية لن تكتفي بملاحقة العالم، بل ستسهم في صناعة لغته القادمة.

ولعل أجمل ما في هذه الشهادة أنها تضعنا أمام حقيقة لا تخطئها البصيرة: أن الرؤى الكبيرة لا تُولد وسط التصفيق، بل وسط التردد والشك والاعتراض، وأن أصحابها كثيرًا ما يدفعون ثمن سبقهم، قبل أن يعود الجميع لاحقًا للاعتراف بأنهم كانوا يكتبون المستقبل بينما كان غيرهم مشغولًا بحراسة الماضي.

إن ما كتبته الدكتورة هناء الشبلي هو نصٌّ جدير بأن يُقرأ بوصفه وثيقة وعي، وسيرة موقف، وشهادة ريادة، لأنه يختصر رحلة الفكرة من السخرية إلى الشرعية، ومن الهامش إلى المؤسسة، ومن الاعتراض إلى الاعتراف.

كما أنه يؤكد أن المملكة وهي تبني اليوم فضاءها الثقافي الجديد، إنما تستند أيضًا إلى جهود روّاد لم ينتظروا الإذن من أحد كي يحلموا، ولم يطلبوا القبول المسبق كي يؤمنوا بما يرونه، بل مضوا بثقة حتى جاء الواقع ليصافح أفكارهم واحدةً تلو الأخرى.

وهكذا، فإن الدكتورة هناء الشبلي لا تستعيد هنا ذكرى قديمة فحسب، بل تستعيد لحظةً أثبت فيها الزمن أن البصيرة أبقى من السخرية، وأن المستقبل لا يُكتب لمن يخشاه، بل لمن يجرؤ على رؤيته أولًا.

وما بين ضحكة التشكيك وابتسامة الانتصار، تُكتب حكاية المثقف الحقيقي: لا ذاك الذي يردّد ما يقوله الناس، بل ذاك الذي يرى ما سيقولونه بعد سنوات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى