آدابالأخبار

الشاعر /محمد بن علي طاهر العبدلي ورحلة الشعر في مدائن الغربة ونهر الأحزان

غنى في قصائده للخفجي والكويت

بقلم علي عبدالفتاح 

عرفته شاعراً صادقاً في فنه وحياته·· شجياً في حديثه·· باسما في طلعته··· باشاً لرقة الحياة ·· ولكن··!

أحسسته نغماً حزيناً يتصاعد في جنبات نفس تحيا محلقة لتعانق آلامها· هذا كائن يتناغم·· يهدهد الشعر أعصابه·· ويحترق في الرماد ليعود يرف بجناحيه ويعلو مرة أخرى ثم تشتعل نيران الجوى في أحشائه·· وتهدر الدموع·· يشق دربه طيفا من الحزن والدهشة والغرابة··!!

سراً في أعماق الأسرار·· تتجاوب أصداء·· تترنح حروف·· تشدو أطيار· ولكن في عينيه كانت أقماراً للحزن تعزف الحان الرحيل مع عواء الريح· وصدى الآهات· فمن أين ولدت أشحار الحزن في أعماق الروح؟ يقول الشاعر الحزين:

– كنت في قريتي “حمية” إحدى قرى جازان أصادق العشب البري وأمنح روحي للمرعى الأخضر·· وأمضي مع صديقي الأثير في الفضاء الفسيح نحلم بمدينة يتدفق قلبها حناناً وتضم براءتنا وصبانا·

 كنت أنا وصديقي· نهرب إلى ظل الشجر الوارف ونرقب أغصان النخيل الشاهق ونسمع في المساء نقيق الضفادع ونتأمل رفرفة الفراش عند حافات النبع·

 أحببت صديقي الوحيد·· وأحببت الفضاء الشاسع والواحة الصغيرة التي تحيط قريتنا·

وذات مرة·· شاهدت صديقي يرتجف بشدة·· ويرتمي فوق العشب النابت في الأرض·· ويتدفق منه العرق بغزارة·

وكان قد أصيب بمرض الملاريا·· ونحن في المرعى وحدنا ولم يكن عندنا خبرة بتخفيف درجة الحرارة·

وقال بصوت واهن وخائف “اذهب وأأتني بأبي!! وعندما عدنا إليه·· كان قد فارق الحياة·· والتفت حوله أسرابا من الفراشات تبكي على صفحه وجهه البريء وحملت رأسه وضممته إلى صدري وصرخت جزعا في الصحراء والواحة الصغيرة حتى ارتجف العشب وترنحت أوراق الشجر وعرفت أنه الموت· صدمة أولى وافتتاحية للحزن والفجيعة· ومنذ فراق صديقي والموت حليفيماتت عمتي مباشرة بعده، وكانت تحبني وتدثرني بحنانها الغزير وبعد عام مات أبي وكنت في المدينة المنورة ادرس، فسقطت في بحيرة الوجع وصادقت تعاستي وعشت آلامي·

وعاش الشاعر محمد طاهر العبدلي رحلة الفقد والحزن والغربة يقرأ صفحات الزمان عبر مخطوطات تراثية، ويشاهد صور أمم غابت في كهف الحقائق ويتلهف إلى دخول ممالك ما زالت مضيئة بنور الحق والخير والجمال والحرية·

ويقرأ في التراث العربي الإسلامي·· ويبحر غير مبالٍ بتراكم الحزن وكثافة الرماد وحلقات الغبار التي تحاول إخفاء وجه الحقيقة وتسد منافذ النور·

يطلق أشرعته يجوب مواني الفكر·· يدلف إلى ردهات قصائد العشق، فالشعر اقتحام لمعاقل الغربة، والشعر تحدّ للحزن·

والشعر بحثاً عن وجه البراءة والحلم المستحيل، وخلال ذلك يتذكر وجه صديق تخاطفته الريح في المرعى وعشبة ترتعد وفراشات في لحظات بكاء فما زال عطر الواحة يفوح في النسائم حوله، وظلال النخلة تمد جذورها في أعماق روحه، إنه ينهض، والضوء يتحرك ويرتعش ودم العشق يتدفق في شرايين الأرض· هل الشاعر يغرد حزنا أم يبكي تغريدا:

قلب أرق من الحياة وصفوها

ومن النمير على الرمال إذا جرى

يبكي إذا ذكر الصديق صبابة

وبكاد يشرق بالدموع تحسرا

ومن أحزان الطفولة إلى غربة الحياة امتدت رحلة العمر بالشاعر يتأمل كيف تتساقط أوراق الخريف ثم تبكي الأشجار ليأتي الربيع حاملا هداياه الخضراء· وترتدي الأشجار أثوابها مرة أخرى، هذا ناموس الحياة، فكيف يحيا المرء دون ذكر أو أثر طيب؟

وظل يقرأ ويكتب ويتعمق في فلسفة حياته وقيم الحياة الإسلامية الشفافة العريقة التي تبدد ما حولها من غيوم وتتألق الروح في مستويات شاهقة تغني للحياة والإنسان·

وقد قرأ الشاعر في طفولته القرآن وحفظه وتلقى مبادىء العلوم القرآنية والدراسات الإسلامية وانزرعت في روحه روعة الإيمان وروع الأبرياء·

وتعبدت ذاته في محراب النقاء والطهر· فبدأ يحلم، يحلم بهذا العالم الجميل الشفاف·· ومدن تمتد في انتمائها إلى النور الذي يغطي “مكة”· كانت وستظل الرمز لمشرق نور السماحة والغفران·· نور الرحمة والسلام·· وها هو النور يمتد إلى العالم بأسره·

والشاعر يحلم أن تشع منارات الهدى من فوق ربا أمته العربية وتظل أمته في القمم العالية سيدة العلم والحضارات ترسم الدرب المنير وتهدي الخير والحب والتسامح·

ويقول الشاعر لوطنه رمز الحب والنور:

وطني أنت في قلبي وأنت الروح

في جسمي تردد في وريدي

يا مهد آبائي وأجدادي ويا

مأوى الكرام ومعقل التوحيد

فاخرت فيك الأكرمين ولم تزل

تسمو وفيك مكانتي ووجودي

قل لي بربك ما الحياة إذا أنا

ضيعت فيك هويتي وحدودي

ويمضي الشاعر محمد طاهر العبدلي في مهمته التنويرية يغرد بالشعر للإنسان وينثر القصص لصورة واقع تتعانق فيه الكائنات لتواجه الخطر وتتسامح في اشتداد الخطوب وتتشابك وتتماسك في احتدام البلاء· كائنات إنسانية يحلم الشاعر أن يجسدها فوق وجه الحياة، ينتزعها من الورق الأبيض لتتخلق وتتنفس فوق المرعى الأخضر·

ربما حين نقترب نتفاهم، وحين نتلامس إحساسا نتوافق وجودا وفكرا، وحين نتألم لمواجعنا نقاوم أعداء الشجر والنبع والعشب، ونقاوم الفساد·

فساد يتفجر من كافة الاتجاهات، تيارات غريبة وغربية· تيارات تحاول اقتلاع خيام العرب من باطن الصحراء، تيارات تركض خلف الوتد تود انتزاعه لتتمزق الخيمة وتعوي الذئاب·

ولكن كانت هناك ترتعش زهور المرعى في روح الشاعر، شاعر ملهم بالحزن والموت والغربة والغرابة، فيواجه الشر بالخير والنور يسفح الظلام·

ويرى الشاعر محمد طاهر العبدلي ذاته في مواجهة رداءة واقع يمعن في الاغتراب، يشتعل حماسة وثورة والتزاما ولكن سرعان ما تذبل الورود وتخمد النيران·

حالة عجيبة: حروب عربية وخليجية· مكائد سياسية إرهاب مقنع بالدين· اغتيالات ومصادرة وعنف، شبكات الانترنت العالمية تلوث أذهان الأطفال العرب·

ثم ماذا؟ لا شيء ليس إلا الزوال والاضمحلال؟؟

أنا في غربة أعيش

وأحمل البعد ثقلا

وهمومي تكاثرت فتراني

أدب في الدرب كهلا

ولكنه شاعر جاء ليقاوم الخواء الروحي!! لا يستسلم! يكتب الشعر الثوري، يكتب المسرحيات والقصص والمقالات· ومن خلال مسيرته وعمله في وزارة التربية كمعلم يحوز على جوائز كثيرة في مجالات الإبداع الأدبي من مسرحيات تمثل على مسرح المدرسة وقصص تنشر في الصحف والمجلات وقصائد منها:

أرضنا هذه أحلام الغد

وشقاء الغاصب المستعبد

كم زرعنا في رباها نبتة

وسقيناها حنانا باليد

ورغم ذلك·· ظل الحزن والغربة من سمات الشاعر السعودي محمد طاهر العبدلي حتى تخاله هالة من الأحزان·· أو غيمة من بكاء أو رحلة نواح·

فمن هذه الينابيع الشجية تتألق ابداعاته وتضيء كلماته وتزدهر حروفه لترسم ملامح موقف يكشف عن إنسانيته ويمد حبه فيما وراء ذاته ليتعاطف مع التعساء من البشر· يمنح الشجر حبه ويغدق على النبع عطفه ويسبغ على فراشات المساء تأوهات روحه·

وقد تأججت هذه المشاعر والمشاهد الإنسانية في تعبيره عن عاطفة الحب المقدسة لامته ودعوته لمناهضة الاستبداد ومناصرة الأحرار ومساندة الحق والعدالة فوق الأرض·

وفاضت قصائده وقصصه القصيرة بمشاهد من حرب الخليج 1990 وقد كتب عن احتلال مدينة الخفجي السعودية التي يعيش فيها الشاعر منذ دراسته·

فيقول عن تحريرها:

يا نازج الدار إن البعد يشجينا

حالي كحالك والأحزان وادينا

لنا منازل بالخفجي نحبذها

على الثريا إذا كانت تواتينا

عشنا بها وصفاء الحب يجمعنا

والبحر من مائه الفضي يروينا

وتغنى الشاعر أيضا بموقف الكويت ونضال أبنائها من محنة الغزو وكتب الكثير من القصص والقصائد التي تشيد بأرض الكويت وحريتها واستقلالها وشرعيتها ومن هذه القصائد·

أنا في الكويت بلاد الخلود

ومأوى الغريب وقبر العدا

أعيش بقلب سباه الجمال

فراح الجمال به واغتدى

أفكر فيها فأنسى الحياة

وأنظر فيها أرى السؤددا

ونفسي ومالي فداء الكويت

وحق الكويت علينا الفدا

وعادت المدائن تغرد بعد التحرير··

وعادت أعشاب المرعى تختال في بريقها الذهبي

ونقيق الضفادع في تلك القرية الوادعة التي شهدت طفولة الشاعر ولهوه ومرحه ولعبه وحزنه الأول

وفراق صديقه الأول وانسكاب دمعته المقهورة·

وإذ تعود الأعشاب مغردة ويرحل الطغاة وتختال الكويت وتزدهي الخفجي في حلة من سندس·

لا يزال الشاعر منكسرا من داخله·· يخاف على المرعى·· يخاف على العشبة، يخاف على البشر، ويتألم لجراح الآخرين·· ويمضي في رسالته: رسالة العلم والتنوير والتثقيف: أنه يؤمن بالعقيدة نورا في الروح·· والعلم نورا في العقل·· والشعر حبا ينمو في القلب·· لتنفتح الأبواب وتنهار الحصون·· ويذوب الإنسان في مشاعر الإنسان·· وليظل الشاعر يحلم·· والدرب شائك والحياة غابة من الحزن·· فلماذا يظل الدمع أغنيات··والنزيف حروفا·· والفداء فناء وبقاء·· للوطن والقيم لمواجهة عالم الغربة والأحزان؟!

تلك صورة إنسانية للشاعر السعودي العربي محمد طاهر العبدلي الذي عرفته شجيا وعابقا باللمسات الإنسانية والحب والخير للكون والإنسان…

……………………………………………………………………

نقله لكم الأديب الشاعر/ حمد بن عبد الله العقيل

تعليق واحد

  1. السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
    أما بعد/
    انا مصري واقدم تحية شكر وعرفان وموده وجميل للمربي الفاضل استاذي المحترم اللذي تعلمت على يديه في الخفجي المدينه العزيزه على قلبي وقد عاصرت حرب الخليج وانا فيها.وارجوا من حضراتكم رقم تواصل لاستاذي الفاضل
    وشكرا لكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى