مقالات

جبل آل سعيد (1)

اعداد الشيخ: عبدالله بن علي قاسم آل طارش الفيفي ـ أبو جمال   

نعامة والقاعة وآل شبان من آل سعيد

جبل نعامة جزء من جبال آل سعيد بني مالك، في محافظ الداير بمنطقة جازان، وآل سعيد يتكون من سبع قبائل هي (عثوان، ونعامة، والرقبة، والحجفة، والنشمة، والقاعة، وآل شبان)، وكل منها له حيز من هذه الجبال الشامخة، العامرة منذ القدم، واكبر دليل هو ما يوجد في زواياها من قلاع وحصون ضخمة، تنبئ عن حضارات وقوة وسلطة، وما كانت عليه هذه الجبال والقبائل القاطنة فيه من قادم الأزمنة، مما يتوجب على اصحاب الاختصاص في التاريخ والآثار، دراستها والتدقيق فيها، والبحث والتنقيب عن ماضيها العريق، اما أنا وامثالي فإنما يقتصر دورنا على تسجيل انطباعاتنا العابرة، وما نشاهده ظاهرا للعيان بتجرد، وما يعتبر من قبيل ردة الفعل الوقتية، فعندما تنبهر النفس بما تشاهده، ويستثيرها المنظر إلى حد الاعجاب، تعبّر عنه بحسب قدراتها وملكاتها، ولكن قد يكون من خلال هذا النقل تحفيزا للآخرين، ممن يملكون الإمكانيات من اهل الاختصاص، فيبادرون إلى البحث والتنقيب، وإلا فما اقدّمه فأعترف أن فيه كثير من النقص والخلل والقصور، ولكن يكفيني إذا لفت نظر من هو افضل مني في هذا الجانب، فاكمل وتوسع وافاد على بصيرة وعلم ودراية.

سعدت في يوم السبت الموافق 12/4/1447هـ، بدعوة كريمة من الشيخ حردان بن أحمد النعامي السعيدي شيخ قبيلة نعامة من آل سعيد، حفظه الله، وهو صديق عزيز هو وكامل اسرتهم، وكان اخوه الشيخ حسين بن احمد رحمه الله من اوفى الاصدقاء، كان بيننا كثير من الود والتواصل والعلاقات، وتشرفت في هذا اليوم في ضيافة الشيخ حردان، بجولة متعمقة في هذه الجبال، مع أني قد زرتها من قبل عشرات المرات، ولكنها لأول مرة اعرف الكثير عنها، مما لم اعرفه من قبل، وقد اكون جهلت بالكثير، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، وكان دليلي ومعرفي هو الشيخ حردان وابنه الاستاذ حسين حفظهما الله.

ونقصر الحديث اليوم على جزء من جبال آل سعيد، على أن نستكمل التعريف بالأجزاء المتبقية لاحقا بمشيئة الله، فأول ما يقابلك عندما تتعمق في هذه الجبال، وانت داخل إليها من الطريق المعبد، القادم من حاضرة الداير، تسير في عمق واطراف وادي الجوة، الذي دخلنا إليه من وادي (اهراين)، وكليهما يصبان في وادي جورا عند سوق الداير، وفي نهاية هذا الوادي (الجوة) نصل إلى بدايات مأتيه، في سفوح مهابط هذه الجبال الملتفة، في المكان المعروف بجوة (آل سلامة)، وهي تقع في سفوح جبال آل خالد (القهبة وخاشر ونيد الشق وآل قطيل)، واطراف جبل آل سعيد، وكان هذا الموقع (الجوة) في الماضي القريب، عامر بمزارع البن والموز، ولكنها اجتاحتها الردميات النازلة اثناء شق طرق السيارات في جبال آل قطيل وآل سعيد، حتى اندفنت وغارت وتبددت، ولم يبقى اليوم إلا هذا الطريق المعبد، الذي صعدنا به، نعلو منه فوق هذه الجبال، في طريق واسع معبد جميل، وبعد السير فيه لما يقارب الكيلوين أو أقل، نجد في اتجاه اليمين طريقا فرعيا، يودي إلى جبل وقرية آل قطيل، ولكن سيرنا استمر في الطريق الرئيس الذي نحن فيه، لنخترق بعضا من الشعاب والمنحنيات، خالية من البيوت ومن السكان، وبعد حوالي الكيلوين وصلنا بداية العمران وأول البيوت، فعلى جنبات الطريق في الاعلى والاسفل، تجمعات كبيرة من البيوت معظمها حديثة، وكانت هذه بداية تجمع قرى قبائل نعامة.

جبل آل سعيد (1)

وعلى حافة الطريق من اليمين لوحة ارشادية، تشير إلى طريق فرعي يصعد إلى الاعلى، ومكتوب على اللوحة بهذا الترتيب (نعامة، القاعة، آل شبان، العين الحارة).

ولكن قبل اتباع هذه اللوحة وهي مقصدنا الاساسي، وقفنا لبعض الوقت نتأمل في البقعة الممتدة امامنا، التي تشتمل على معظم منازل قبيلة نعامة، لوحة مزخرفة ممتدة على واجهة هذا الجبل الغربي، وتبدأ من عند النقطة التي نقف فيها الان، عند منزل الشيخ حردان بن احمد حفظه الله، معرف قبيلة آل نعامة، وإلى الأسفل قليلا تحت هذا البيت، وبها عدد من المدرجات الزراعية العامرة، لتتواصل إلى ما فوق قرية (امشلال) تحتنا، وقرية امشلال تابعة للحجفة، ثم يمتد المنظر أمامنا في جهة الشمال، حتى نرى امامنا مباشرة فوق الطريق العام، قرية كبيرة في اقصى البقعة، بها مجموعة من البيوت الحديثة والقديمة، وجامع حديث يتكون من عدة ادوار، ويأتي من بعده في جهتنا، بيت قديم من عدة ادوار، مبني من الحجر اسمه (بداح).

جبل آل سعيد (1)

ويصعد بنا النظر إلى أعالي هذه البقعة إلى قمتها، وهي مزدحمة بالبيوت المتواصلة قديمها وحديثها، وما يتخلل ما بينها من المدرجات الزراعية، وكانت تعلو هذه البقعة الجميلة مجموعة من القلاع والحصون والبيوت الاثرية، معظمها قد هجرت واستبدلها اهلها ببيوت حديثة مسلحة، وهذه البيوت القديمة عبارة عن بيوت ضخمة، كثيفة ومبنية من الحجارة، وفي احد اطرافها يبرز مسجدا قديما من الحجارة، بنفس وشكل البنيان من حوله، وكانت هذا القرية والمجمع الكثيف، هي قرية نعامة الأصلية.

جبل آل سعيد (1)

ويوجد من خلفها في الأعلى في قمة الجبل وذروته، في اقصى الشمال من الجبل بيت قديم (الشوحطة)، التي هي نهاية جبل نعامة من هذه الجهة، ليأتي من بعدها شمالا قرى عثوان، وبالعودة للنظر إلى ما يناظرها في الجنوب الغربي، وعلى نفس المستوى أو أخفض منه قليلا، نرى جبل (الغويفر) وفوقه قلعة(وعيله)، والجبل هنا (الغويفر) وعر وخال من المساكن، وبينهما في الوسط مكان منخفض يعرف بنيد (امجابية)، تتركز فيه الكثافة اليوم السكانية وكثير من البيوت، وهذه البقعة (غربي نعامة) بكاملها تمثل مجتمع متكامل بكل خدماته، وتحتوي على مدارس البنين والبنات، وفيها محلات تجارية مناسبة، صعدنا إلى هذا النيد من الطريق العام، في طريق معبد يلتف بين البيوت في مسافة قصيرة، ولكن البيوت مرتصة بكثافة على جنباته، وتستوي السيارة في وسط النيد المنبسط نسبيا، لتخترقه إلى الجهة المقابلة من هذا الجبل، مما يعرف بشرقي نعامة، وما بعدها من القرى، ولما اجتزنا هذا النيد كانت الإطلالة منه على الجهة المقابلة، منظر ممتد امامنا لا يحجبه شيء، ينطلق النظر إلى الأفق البعيد، في اقصى الشرق والشمال والجنوب، ففي الأسفل عند سفح الجبل، يمتد سيح آل سعيد، ففي المقدمة منه تظهر السارّة، ومن بعدها وادي ضمد العظيم، وبدايات منابعة القريبة في هذه الجبال، ومن بعده ترى في شمالك جبال (آل يحيى وآل زيدان)، ومن خلفهما وفوقهما جبال (كتفا) وما بعدها، وامامك مباشرة (الصرفح) وجبال (آل عياش) وما بعدها من جبال (منبه)، وعلى اليمين جبال (العزة).

جبل آل سعيد (1)

وهبطنا بالطريق المنحدر إلى اسفل الجبل، نشاهد على اليسار منحدرات سحيقة خالية من السكان، ينتهي بك النظر إلى الأسفل عند وادي ساعد، المتميز في وسطه بقلعته الضخمة (الموفى)، واصلنا الهبوط لتتجه بنا الطريق إلى المنعطف الثاني يمينا، لنجد مجمع سكني (المعينة)، ومن بين هذه البيوت تجد طريقا فرعيا، سالكا إلى اليمين (العرام)، يؤدي إلى جبل وقرية (آل قطيل)، وواصلنا هبوطنا إلى الاسفل لنصل إلى قريه عامرة (آل سكرة)، فيها بيوت ومسجد جامع وبرج اتصالات، وهنا تنتهي حدود قبيلة (نعامة)، ليأتي من بعدها بداية قبائل القاعة، فتنحدر بنا الطريق في ضلع ممتد يأخذ في التفافة إلى اليمين غربا، ونطل من هناك على مجمع سكني كبير قرية (آل شبان)، ولكن قبل أن نصلها بقليل أخذنا بطريق اتجه بنا يسارا لندخل في عمق قرية القاعة، وبعد عدة امتار توقفنا عند خزان كبير للمياه، خاص بالشركة السعودية للقهوة، صعدنا فوقه بجسر صغير مهيء لذلك، لنطل من فوقه على البقع والمدرجات الممتدة من اسفله، كان منظر جميلا يجلي لك الكثير من المواقع في هذا المكان، فتشاهد في جهة اليسار منك وفي احد الاضلاع، قرية (البازخ) قرية عامرة بالبيوت والمساكن، وعلى اليمين في الاسفل منا مباشرة، على امتداد الضلع، قرية أو هي قلعة ضخمة أثرية (الخطم)، تبهرك بكبرها وعظمتها وارتفاعها، قلاع ست أو أكثر، ملتفة حول بعضها ومتلاصقة، تشكل مبنى واحد ضخم، تبلغ ادوارها من خمسة أو ستة ادوار، ما زالت متماسكة قوية الاركان، تنبأ عن حضارة وقوة كانت قائمة عليها وفيها، كان ولا بد أن لها تاريخا تليدا، فموقعها متميز فوق صخور ضخمة يصعب الوصول إليها، وليست في اسفل الجبل فيسهل اقتحامها، ولا في اعلاه الشديد الصعب، فهي تتحكم ويصعب السيطرة عليها، وفي محيطها ومن خلفها مباني متعددة، ويظهر بينها مسجدا وبقايا حياة حديثة كانت هنا، فما زالت آثار الحياة ومواد البناء الحديثة (الاسمنت) ترى في بعضها، مع بقايا هؤلاء الساكنين تشاهد بوضوح.

وبين هذه القرية (الخطم) وقرية (البازخ) السابقة تحتنا مباشرة، مدرجات عديدة صغيرة وكبيرة، بدأ استصلاحها وزراعتها بشتلات البن، تابعة لمشروع (الشركة السعودية للقهوة)، وتسقى من هذا الخزان الذي نقف فوقه هنا.

ثم نشاهد من فوق هذا الخزان، وعلى اليمين منا في الضلع المقابل لنا (نيد المخنق)، تابع للقاعة، وبه مجمع سكني، وفيه مستوصف حكومي، اتجهنا إليه ولم يكن بعيدا، وأخذنا بالطريق من وسط هذه البيوت، لنخرج منها مباشرة إلى بقعة عزان الملاصقة، وتحوي على (قرية آل شبان)، قرية كبيرة عامرة مزدحمة بالمساكن، والطريق الرئيس يخترقها من اسفلها، ومنه طريق فرعي يدخل إلى عمق القرية، ولكنا واصلنا بالطريق الرئيسي إلى اليمين، لنمر بجوار مدرسة ابتدائية للبنين، ونواصل الهبوط لنطل من هذا المكان على قرى آل محمد، الممتدة في هذه الفسحة امامنا بين الجبال العملاقة، ونرى في واجهة الجبل المعترض امامنا، قرية آل قطيل، متربعة فوق قمة هذا الجبل، ومن خلفها امتداد جبال آل خالد، نزلنا ونحن نخترق كثيرا من المدرجات على جنبات الطريق، معظمها مزروعة بشكل كثيف بأشجار البن الحديثة، تتبع (الشركة السعودية للقهوة)، فهذه الشركة تعمل بكل جد في هذه الجبال، التي هي مواطن البن القديمة.

وقد هيئات كثيرا من العوامل المساعدة لهذا المشروع العظيم، فأسست لأجل ذلك العديد من خزانات المياه الكبيرة، التي تشاهد منتشرة في كل مكان على جنبات الطريق، وأذكر اننا شاهدنا ما يقارب من ستة خزانات في هذه المسافة البسيطة من الجبل، وهي تملئ بالمياه المجلوبة بواسطة الصهاريج الكبيرة (وايتات)، تجلبها من الاودية ومن التحلية في جهة الداير وما بعدها، وقد قابلنا في هذا الطريق عدد كبير منها.

بعدما وصلنا إلى المستوى الذي حددناه، دخلنا من خلف أحد هذه الخزانات، لنتجه إلى فناء أحد البيوت في هذا المكان، بيت مسلح، وحوله مجموعة من البيوت الشعبية، مبنية من الحجارة وبعضها من البلك، ولكنها على ما يبدو مهجورة من فترة ليست بعيدة، فتوقفنا في فناء هذا البيت، واخترقنا الفناء مشيا إلى الجهة الشمالية منه، لنطل من هناك على منظر عظيم وآسر، حيث شاهدنا تحتنا مباشرة، قلعة وحصون (المسيجد)، قرية كبيرة أثرية، عبارة عن مجموعة بيوت ضخمة، ملتمة على بعضها ومترابطة، معظمها مربعة وبعضها دائرية، تبلغ عدد ادوار الكبيرة منها سبعة أدوار أو ثمانية، ومازال معظمها متماسكة البنيان قوية شامخة، ولكن يلاحظ تسرب التلف إلى بعض منها، وستلحق بها البقية وتندثر، إذا لم تتداركها يد العناية والاهتمام من قبل إدارة الاثار والسياحة، قرية جميلة وكنز تاريخي لا يفرط فيه، تنبئ عن ماض عريق وتاريخ تليد.

قامت في ازمنة ماضية في اطراف هذه الجبال، فهي تمثل وسابقتها قرية الخطم، وقرية الموفى، وقرية مبهرة، والكثير امثالها ارثا تاريخيا ضخما، لا بد أن يولى ما يستحقه من الرعاية والدراسة والعناية.

توقفنا عند هذه النقطة من هذا الجبل الجميل، لننهي جولتنا الماتعة، ولنودعه ونودع مضيفينا الكرام، بعد أن وجدنا منهم كل حفاوة وتكريم، واستمتعنا بما شاهدناه من ماض عريق، وحاضر زاهر مشرق، وزادت معارفنا، وتضاعفت مكاسبنا الايجابية، فهي زيارة وجولة لا تنسى، ارجو أنكم استمتعتم معنا من خلال هذا الوصف المختصر، فليس السامع كالناظر، والعذر من أي خلل أو قصور، أو نقص معلومة، أو عدم فهم مني لشيء منها فلم اصفه كما ينبغي، وإلى اللقاء في جولات تالية بمشيئة الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جبل آل سعيد (1)

محبكم/ عبدالله بن علي قاسم آل طارش الفيفي ـ أبو جمال   

الرياض في 1447/5/20هـ       

‫2 تعليقات

  1. ما شاء الله مناضر خلابه و جميله مع الإرث القديم والحصون والقلاع وغيرها في باقي قرى آل سعيد
    حياكم الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى