جوهرٌ واحد وصورٌ تتكرّر

كتبه : محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي
كلّما توغّل المرءُ في دراسةِ الشعوبِ وأعرافِها القديمةِ، اكتشف أنّ العالمَ – على اتّساعِه – أشبهُ بمرآةٍ كبيرةٍ تعكسُ الوجوهَ نفسَها، وتتردّدُ فيها الحكاياتُ ذاتُها، كأنّها صدىً لسرٍّ واحدٍ يتوارى خلف اختلاف الأسماء. قد تبدو القبائلُ متباعدةً آلافَ الأميالِ، وقد تُفرّق بينها المحيطاتُ والجبالُ والصحاري والقِفارُ، ويعزلُها الزمنُ كما يعزلُها المكانُ؛ ومع ذلك، يشاءُ اللهُ أن تتقاطعَ طقوسُها وثقافاتُها ومعانيها بطريقةٍ تدعو إلى الدهشةِ، بل وإلى شيءٍ يشبهُ الخشوعَ أمامَ حكمةٍ خفيّةٍ أعمقَ من التاريخِ نفسِه.
في أقصى صحراءِ أستراليا، يقفُ فتىً صغيرٌ بين رجالِ قبيلتِه، يُختَبَر بصمتٍ مُطبِقٍ. يواجهُ طقوسَ «العبورِ إلى الرجولةِ»، وأمامَ عينيه عالمٌ جديدٌ ينفتحُ، لا يُسمَحُ له بدخولِه إلّا عبرَ الألمِ، وكأنّ الألمَ هو البوّابةُ الوحيدةُ نحوَ النضجِ. وفي لحظةٍ أخرى، على سفوحِ جبالِ السراةِ أو في قُرى اليمنِ الشمالي، يقفُ فتىً آخرُ في طقسٍ لا يختلفُ كثيرًا: يُختَبَر، ويُراقَب، ويُحاكَم على ثباتِه. فإن صرخَ أو اهتزّ أو فزعَ، عابتْه الرجالُ، ونُقِصتْ رجولتُه، وربّما مُنِعَ من الزواجِ في بعضِ الأعرافِ القديمةِ. أمّا إن ظلّ صامتًا، عابسًا للألمِ، ثابتًا على قدمَيه، عُدَّ رجلًا يستحقُّ مكانَه بين قومِه.
وليس الأمرُ مقتصرًا على الختانِ العادي، بل يتجاوزُه أحيانًا إلى طقوسٍ أشدَّ وقعًا؛ فقد كانت بعضُ القبائلِ في جنوبِ الجزيرةِ العربيّةِ لا تكتفي بإزالةِ القُلفةِ، بل تُزيلُ الجلدَ المُحيطَ بالقضيبِ كلَّه، مع جزءٍ من جلدِ العانةِ وما يلي الفخذَين، بوصفِه امتحانًا نهائيًّا للثباتِ والإقدامِ. إنّها طقوسٌ أوقِفَت على نارِ الشرفِ القديمِ، لا على مبضعٍ طبّيٍّ حديثٍ؛ طقوسٌ لا يُرادُ بها الإيذاءُ، بل ميلادٌ جديدٌ للرجلِ.
ولعلّ أجملَ ما في الأمرِ كلِّه أنّ هذه الطقوسَ لم تتناقلْها الشعوبُ من بعضِها، ولم تتواصلْ عبرَ تُجّارٍ أو رحّالةٍ أو غزواتٍ. هي وُلِدت مستقلّةً، ونُفِّذت مستقلّةً، وتشابهت مستقلّةً، كأنّ يدًا واحدةً صاغَتْها ثم نفختْها في جهاتِ الأرضِ الأربعِ.
لماذا؟ كيف تتشابهُ الحضاراتُ التي لم تتلامسْ قطُّ؟
ما الرابطُ بين صبيٍّ في قارةِ أستراليا يشقُّ طريقَه نحوَ الرجولةِ في صحراءِ الحجرِ الأحمرِ، وصبيٍّ في جنوبِ الجزيرةِ العربيّةِ يواجهُ الطقسَ نفسَه تحتَ شجرةِ سِدرٍ أو في بيتٍ قبَليٍّ على قمّةِ جبلٍ؟
ربّما يعودُ الجوابُ – بل إنّه يعودُ فعلًا – إلى تلك الحقيقةِ البسيطةِ التي ينسى الإنسانُ أحيانًا بساطتها: أنّ البشرَ، مهما تباعدوا، وتنوّعتْ أجناسُهم، فهم أبناءُ رجلٍ واحدٍ وامرأةٍ واحدةٍ.
فالإنسانُ في كلِّ مكانٍ:
يخافُ.
ويرجو.
ويبحثُ عن معنى.
ويحتاجُ إلى الاعترافِ.
ويطلبُ أن تُعرَفَ قيمتُه بين قومِه.
ويريدُ أن يتجاوزَ بوّابةَ الطفولةِ بعلامةٍ لا تُمحى.
والطقوسُ ليست إلّا لغةً أخرى لهذه الحاجاتِ العميقةِ.
فكما تتشابهُ قلوبُ البشرِ في انقباضِها عند الخوفِ، وفي خفقِها عند الحبِّ، تتشابهُ طقوسُهم حين يسألون الأسئلةَ نفسَها:
كيف نُصعّدُ الطفلَ إلى مقامِ الرجلِ؟
كيف نعلّمُه أنّه مسؤولٌ؟
كيف نربطُ وجودَه بالأرضِ والعشيرةِ والأسلافِ؟
كيف نحفظُ الجماعةَ من التفتّتِ عبرَ امتحانٍ يجمعُها ويؤكّدُ وحدتَها؟
تختلفُ الأدواتُ:
هنا الختانُ.
وهنا شقٌّ طقسيٌّ.
وهنا عزلةٌ في الجبلِ.
وهناك وشمٌ على الوجهِ.
وهناك تسلّقٌ لجبلٍ.
أو مواجهةٌ مع النارِ.
أو صيدٌ يُختبَر فيه الصبيُّ أمام وحشٍ مفترسٍ.
أو سفرٌ بعيدٌ يُعادُ به تشكيلُ النفسِ.
لكنّ الفكرةَ هي ذاتُها: أنّ الإنسانَ لا يُولَدُ رجلًا، بل يُصنَعُ.
وهكذا نُدرِكُ، إذا أمعنّا النظرَ، أنّ ما نراه من اختلافٍ بين الشعوبِ ليس اختلافًا في الحقيقةِ، بل اختلافٌ في الصورةِ. أمّا الأعماقُ فتظلّ واحدةً؛ لأنّ سؤالَ الوجودِ الذي يواجهُ الإنسانَ في أستراليا هو نفسُه الذي يواجهُه في السراةِ، وفي تهامةَ، وفي الهندِ، وفي سيبيريا.
ولعلّ سرَّ التشابهِ بين الشعوبِ، مهما تباعدتْ أو اختلفتْ لغاتُها وأعرافُها، يرجعُ إلى حقيقةٍ أولى لا تتغيّرُ: أنّ الإنسانَ واحدٌ في جوهرِه، فتتحرّكُ عقول البشر في الإطارِ نفسِه من الخوفِ والرجاءِ والبحثِ عن معنى. وما نراه من اختلافٍ بين الثقافاتِ ليس سوى اختلافٍ في السطحِ؛ أمّا الأعماقُ فتكادُ تكونُ واحدةً؛ فالذي يواجهُ الإنسانَ هنا هو نفسُ المعنى هناك.
فتبدو الطقوسُ وكأنّها قادمة من الماضي البعيدِ، كفروعٍ متباعدةٍ لشجرة واحدةٍ، جذورُها ما تزالُ تضخّ المعانيَ نفسَها: العبورَ إلى عالمِ الرجالِ.
وكتبه : محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي
- يوم التأسيس… حين يكون الانتماء موقفًا لا شعارًا
- جوهرٌ واحد وصورٌ تتكرّر
- ذكرى يوم التاسيس شهادة تاريخ
- بـ 10 لاعبين.. الاتحاد يتجاوز البداية الصعبة ويتعادل مع الهلال في الدوري السعودي.
- يوم التأسيس جذورٌ تضرب في التاريخ



